أصل كلمة فرعون

0
يسأل البعض عن حقيقة تلك الكلمة الموصوف بها ملوك مصر القديمة، وفي الحقيقة رغم كمّ الاجتهادات والنتائج على الشبكة والمليئة بها الكتب لكني غير مقتنع بما قدموه..ولم يسبق لي التعليق على هذه النتائج لكونها تحريفا لغويا لا صلة له بالواقع..

كيف؟

أشهر تفسير للكلمة وهو (البيت الكبير) من مقطعين (بر عا) وهذا خطأ من ثلاثة نواحي:

الأولى: لا يوجد رابط بين برعا وفرعون..النطق والرسم مختلف

الثاني: لو كان وصفا للملك لاستعمله ملوك مصر جميعهم منذ أول اكتشاف له بعصر الدولة الحديثة..أقصد لفظ (بر عا) فكل الأسرات التالية لم تستعمله، واليونان والفرس والآشوريين لم يعرفوه برغم أن الآشوريين هم أولاد عمومة العبرانيين والعرب في اللغات السامية..

الثالث: المصريون القدماء لم يقدسوا قصور الملك لكي يصفوا بها الملوك أصلا، وأكبر دليل على ذلك أنه لا توجد آثار مصرية قديمة للقصور والمنازل..فقد كانوا يبنوها من الطين والخشب المعتاد في مصر والذي ظل إلى وقت قريب موروث منذ آلاف السنين قبل تحديثها بالطوب المحروق والمشهور عند الفلاحين (بالأمينة)

المصري القديم كان يبني منزله بالطين (ملوك – فقراء – وزراء – جنود..إلخ) والسبب أنه كان المتوفر والأسهل في تربة مصر النيلية، ولأنه يعزل الحرارة في الصيف فيكون المنزل باردا ويعزل الرطوبة في الشتاء فيكون المنزل دافئا..وبرغم هذه الميزة لبيوت الطين المصرية لكنها كانت ضعيفة أمام الفيضان والمطر فكانوا يعالجون ضعفها بالخشب وخصوصا خشب الجمّيز..

والمشكلة لمن يفسر فرعون بالبيت العظيم أنه لا يستطيع تفسير لماذا خلت آثار مصر من قصور الملوك وحُصِرت فقط بالمعابد والقبور والأهرام والتماثيل، هذا يعني أن استخدام الحجر عند المصري كان له علاقة بالموت وفكرة الخلود المذكورة في كتاب الموتى، والحجر ملائم جدا لفكرة الخلود بشكل عام ولولا اعتقاد المصري القديم بخلوده ما بني قبوره ومعابده من الحجر وما ورثنا هذه التركة العظيمة ..

في الحقيقة ليس لدي تفسير مؤكد حول الكلمة، لكني أميل لأنها نطق (سامي) لوصف ملوك مصر القدماء منذ عصر الدولة الحديثة وأول ذكر لها كان في سفر التكوين بقصة يوسف، والآثار تقول أنها كانت لإخناتون..وبالنظر لموسوعة تل العمارنة للدكتور سيد القمني نجد أن نفرتيتي زوجة إخناتون كانت من (بدو الميدانيين) التي عاصمتهم البتراء في الأردن، بينما في سفر التكوين نجد أن التجار الذين باعوا يوسف في مصر كانوا من أهل ميديان، وبالتالي وصف فرعون في قصة يوسف متفق مع زمن إخناتون في القرن 14 ق.م، ومن هذا المدخل رأى البعض أن إخناتون هو يوسف..وهذا بحث آخر مختلف ليس عليه أدلة علمية بل مجرد تخمينات.

المهم: أن النطق السامي لفرعون شبيه بالنطق السامي لإسم (سمعان/ سيمون) وهو (شمعون) وبالتالي نطق (فرعون) كنطق (شمعون) أصوله لغوية سامية مرتبطة بالحضارة الأكدية ورثها البابليون ومنها العبرانيين والآراميين والعرب بوصفهم أشقاء للبابليين في الثقافة السامية..مما يعني بأن فرعون هو وصف وليس إسم علم..والأقرب أنه كان وصفا مقدسا للملك من طرف الساميين فقط..

فإذا علمنا أن شمعون أو سمعان تعني (المطيع) ففيها معاني العبادة والطاعة وبالتالي وصف فرعون يعني (عبد لكذا) والسؤال: عبد لمن بالضبط؟..والجواب: لا أعلم والأقرب أنه للإله (رع) الذي وصفته في دراستي عن مصر القديمة منذ فترة أنه كان حاضرا في ذهن إخناتون كخالق ورب واحد، فأراد إحياء صفاته ومعانيه بإسم جديد وقتها هو (آتون) ويمكن ملاحظة أن حرفيّ (رع) يشكلون نصف المقطع الأول الصوتي (فارع) قبل أن يكسره العرب ب (فيرع) ولا زال هجاء الكلمة في اللاتينية لنفس المقطع متأثر بالنطق العبري phar

هذا مجرد اجتهاد أزعم أنه غير مؤكد مني، لكني في المقابل غير مقتنع بكل المعاني التي قيلت في السابق، وأؤمن أن المصري القديم كان يسمي ملوكه بإسمهم فقط، أما الألقاب فكانت من الشعوب الأخرى تعظيما ومهابة لهم..ثم جاء زمن بعد ذلك سميت الملوك بألقاب محلية ككسرى وقيصر في الروم وفارس وروسيا، ولو عثرنا على وصف ملك مصري لنفسه بالفرعون فبرأيي لن يكون أقدم من الدولة الحديثة في عصر إخناتون الذي يعد هو أول ملك مصري يتعامل مباشرة مع الساميين القدماء ويتواصل معهم لدرجة المصاهرة..

من صور التلاعب بمشاعر الناس

0
من الوسائل البدائية والفاسدة في تلميع أي شخص

إنك تظهره بيصلّي أو يتعبد في مكان مقدس بأي شكل أو تظهره يلعب مع أطفال وفقراء أو حيوانات أليفة..

الفكرة هي تقريب الشخصية لقلب الجمهور المتدين بطبعه أو مخاطبة العاطفة الإنسانية فيه، وهذا الاتجاه عموما يعتبر وسيلة شائعة في تلميع الزعماء السياسيين والدينيين في العالم المتخلف والمستبد..

هتلر وصدام حسين تم تصويرهم مع أطفال وفقراء بعدد شعر راسهم، ويعتبر هذا النوع من الدعاية بروباجاندا سخيفة في العالم المتقدم تحمل في طياتها (فساد مستتر) على الفور تبدأ الصحافة بالتحقيق فيه ودوافع المصوّرين والجهة التي يعملون من خلالها والمرجعية الفكرية التي تجمعهم والمصلحة المشتركة...قصة كبيرة تطلع في الآخر وجود مصلحة فعلا وأكل عيش على قفا الناس..

المغني المصري "حمو بيكا" أول ما منعت أغانيه قرر إنه يطلع يتصور في جامع وهو بيدعي ربنا، كذلك الفنان "محمد رمضان" نفس الشئ وهو بيصلي في جامع..الشيخ الشعراوي في عز الهجمة عليه أنصاره كانوا ينشرون صورا له وهو يقرأ المصحف أو لابس ملابس الحج والعمرة..أو صورته الشهيرة وهو يضحك وعليها كلمتين حلوين..أصله مش هايقدر يعمل أكثر من ذلك لأن الرجل غير عقلاني وأدلته في إيمانه ينسفها طالب علم مبتدئ يعرف يعني إيه حداثة..

زمان واحد منتسب لتنظيم القاعدة كان بيعرض علينا في ملتقى الإخوان المسلمين (قرآن بصوت أسامة بن لادن وأيمن الظواهري) أصله عارف إن مذهب بن لادن مش مقبول من كل الإسلاميين اللي بينهم صراع حزبي على السلطة وبعضهم رافض ولاية بن لادن وعايز ولاية مهدي عاكف، بالتالي فالقرآن هنا وظيفته تقريب نفسي وروحاني بين الزعيمين وتصدير صورة لبن لادن بالشيخ التقي والورع والزعيم الصادق المخلص..

سلفي طائفي عام 2011 رآني غير مقتنع بشيخ اسمه "عبدالرحمن دمشقية" فكانت وسيلته لإقناعي هي "قرآن بصوت دمشقية" فورا قلت له ساعتها: الله يبارك لك.. البغبغان لو قلت له يقرأ قرآن هايقرأ، فيه أنواع من الشمبانزي بتعرف تكتب اللي في خيالها ..فدمشقية لن يعجز عن القراءة أكيد..وقلت له: إني ناظرت الشيخ دمشقية في موقعه المعروف بشبكة الدفاع عن السنة وطلع إنسان تافه وجاهل وسفيه..بل الحمار أذكى منه..فكانت النتيجة إنه شهّر بيا في الإنترنت وكتب مقال "حقيقة سامح عسكر" واتهمني بمعارضة الثورة السورية ودعم بشار الأسد..(أصلها كانت تهمة وقتها فعلا)

أهم وسيلة لارتقاء المجتمع هي كشفه لهذه الوسائل "الديماغوجية" في التأثير، ومعناها كشف الفاسدين اللي بيلعبوا على عواطف الناس، لأن المجتمع أيا كان هو دولة متقدمة أو متخلفة يظل الجمهور عرضة للتأثير العاطفي مهما كانت درجة وعيه، وتظل المشاعر سلاح قوي معادل لقوة الدين في النفوس بل أحيانا تكون أشد..

الثورة السورية والفلسفة

0
الفيلسوف الفرنسي "ميشيل فوكو" كان يفرق بين (السلطة والسيادة) يعني أن تكون حاكما ليس معناها أن تكون سيدا، لأن السيادة في مفهوم فوكو هي عالم افتراضي يعيشه شعب ما بثقافته ولغته وأعرافه..لكن الحكومة/ السلطة مش بالضرورة تكون متفاعلة أو تفهم هذا العالم..

نظرية فوكو كان يعارض بها السلطات المدنية الحديثة ليس من باب إنه داعم لحكومات رجعية ولكن لبحثه عن نموذج يكون فيه الحكومة والسيادة واحدة ، لأن هذا الفارق بين الإثنين تجلى فيما نعرفه (بمراكز القوى) والانقلابات والثورات، تجد الحاكم أو السلطوي يعيش في برج معزول عن الشعب اللي بيشعر بسيادة حقيقية بعيدة عن قصر الملك، وهذه السيادة قد تكون لدولة أجنبية مثلا..

في سوريا وإدلب تحديدا يوجد عالم افتراضي يعيشه كثير من الأدالبة أن تركيا تمثل الإسلام وبشار عدو الإسلام وبالتالي مصالحهم مع تركيا ووصل الأمر لاقتناع العديد منهم إن يتهم يجب أن تذهب لتركيا..هي دي السيادة في مفهوم فوكو، لكنها تظل رمزية علوية لا تتفاعل مع الجماهير ولا تملك المبادرة لأن القوة التنفيذية كانت وستظل للحكومة اللي بإيدها تغيير هذا الواقع وإقناع الأدالبة إنهم سوريين وإن دولتهم أفضل مما تصوروها.

جيش أنطوان لحد في لبنان مر بنفس التجربة، كان جيش لبناني جنوبي ضد قوات المقاومة الفلسطينية، مع الوقت تحول جنوده لمواطنين إسرائيليين بعد تفكيك الجيش على يد حزب الله لما غزا مواقعهم سنة 2000، وبالتالي فجنود لحد عاشوا في ظل حكومة لبنانية لكن بسيادة إسرائيلية عليهم..

ميشيل فوكو فصّل نظريته في عدة كتب ليه كان معظمها نقد للسلطات الحديثة، والأغرب إن فوكو مات قبل اختراع (الدش والإنترنت) اللي عن طريقهم (تهوّد) جنود أنطوان لحد فكريا ومدنيا (وتترّك) جنود الجيش الحر في إدلب مع أسرهم، علما بأن الفيلسوف الاجتماعي "ماكس فيبر" تنبأ في بدايات القرن 20 إن القوى الفاعلة للحكومة تكون واخدة 3 أشكال هي 1- العرف والدين 2- الزعيم الملهم 3- القوانين المعقولة والعادلة..وبالتالي كسر السيادة لهذه القوى الفاعلة للسلطة – حسب فوكو - معناها وجود قوى خفية تجاوزت الأعراف والقوانين بالكلية حتى اخترقت الهوية وشكّلتها كما يُشكّل العجين والطين..

كلام فوكو يدرس بوصفه روشتة لكل حاكم يريد أن يحكم دولة قوية ومتماسكة

فهو يرى إن طبيعة أي سلطة هي البطش لإلزام الناس بالقانون، وبالتالي لا يهم الحكومات إقناع شعوبهم ، ولو آليات الديمقراطية هنا تمنع تغوّل الحكومة وتقنع الشعب بضرورة رحيلها فمن السهل على أي حكومة ذكية استخدام نفوذها للتعاون والتأثير مع القوى الفاعلة السابقة اللي قالها ماكس فيبر، وهو دا اللي بتعلمه بعض السلطات أحيانا بالتحالف مع كهنة الدين ودعم الزعماء القبليين وإصدار قوانين شكليا عادلة..أو يمكن تجاوز كل ذلك بوجود زعيم ملهم للشعب يستفيد من سلطته كحاكم إعلاميا واجتماعيا ليظهر بمنظر البطل الصادق.

لكن بروشتة فوكو سيمكن لأي حاكم أن يجمع بين السيادة والسلطة معا، بمعنى إنه يجمع بين مصالح شعبه وثقافتهم وأعرافهم..بحيث لو الشعب ثار على الحكومة لن يثور على سيادته، ولو النقد الشعبي والمعارضة تم توجيهه للحكومة يسهل إعادة توجيه هذا النقد للسيادة، بمعنى لو خصوم بشار الأسد انتقدوا الاستبداد فيسهل تحميل هذا الاستبداد لسيادة أخرى هي المؤامرات الخارجية والغزو الثقافي وحث المثقفين المؤيدين للحكومة على النشاط في إقناع الشعب بذلك..ودا اللي عمله الأسد بالحرف ونجح فيه بشدة نظرا لأن خصومه كانوا يشعرون بسيادة غير سورية وغير بعثية عليهم (الفكر الوهابي العثماني) وبالتالي اقتنع كل خصوم الوهابية والعثمانية إن بشار الأسد صح وهؤلاء من حيث الكمّ كثير ويشكلون أكثر من نصف الشعب السوري.

باختصار شديد: لو كانت المعارضة السورية هي بالفعل (سورية) الهوى والثقافة لأقنعت الشعب والحكومة بنزاهة مطالبهم، وهنا يكون كلام ميشيل فوكو المتوفي قبل ثورة سوريا ب 27 سنة تم توظيفه بشكل غير متعمد ضد الثورة لينجح الأسد في البقاء كرئيس يجمع بين السلطة والسيادة معا في وجه سيادة أخرى غريبة على السوريين بل وتهدد أرواحهم وأملاكهم، وقد قلت هذا الكلام ومثيله قبل 9 سنوات لكن كراهية العرب للفلسفة وضعتهم في خصومة مع العقل وكراهية الثوار للنقد وضعتهم في خصومة مع العالم كله..عدا تركيا مؤقتا..

من فوائد كورونا

0
أن العالم سيؤمن بضرورة التعايش والسلام وكف شرور الأغبياء والطامعين، فقط بعد انحسار موجة المرض سيعود العالم لنقطة الصفر في بناء علاقاته السياسية...

إعلم أن الإنسان يفعل الخير غالبا لأنه ضعيف أو لا يشعر بالقوة، وقيل قديما أن أول خطوة في طريق الشر هي القوة، بعدها اصطلح الناس على مفهوم (توازن القوة) لمنع الشرور، ووصل لأن تحكم وسيادة دولة ما أو مجموعة أو فرد دون منافس متكافئ يعني فعل الشر حتما...

التاريخ يشهد...

١- الأنفلونزا الأسبانية التي قتلت ١٠٠ مليون إنسان في القرن العشرين كانت سبب (نفسي) لإقناع العالم بعبثية الحرب العالمية الأولى..فانتهت الحرب حتى قبل انحسار المرض...

٢- لولا الأنفلونزا الأسبانية وجرائم الحرب العالمية الأولى ما عاش العالم فترة سلام دامت ٢١ عام سوى بعض الحروب الصغيرة...

٣- لولا سقوط ملايين القتلى البريطانيين في الوباء والحرب ما تنازلوا عن مستعمراتهم وأشهرها لدينا مصر فقد نالت استقلالها بعد الحرب ب ٤ أعوام سنة ١٩٢٢ م، وكذلك لولا الحرب الأهلية الأمريكية في القرن ١٩ لاستولت أمريكا على كل أراضي المكسيك ليس فقط تكساس وكاليفورنيا قبل الحرب بسنوات..

٤- لولا الحرب والوباء ما وصل العالم لفكرة تأسيس عصبة الأمم سنة ١٩ بهدف حل مشاكله وتنظيم حياته السياسية..كما أنه لولا الحرب العالمية الثانية ما وصل العالم لفكرة الأمم المتحدة والعرب للجامعة العربية..

٥- لولا الحرب والوباء ما سقط أعتى نظامين دينيين في القرون الوسطى ..النظام العثماني التركي والقيصري الروسي..ولما وصل العالم ومفكريه وفلاسفته للشك في ثقافتهم والاقتناع بضرورة تغييرها أو تطويرها...

٦- لولا شعور العثمانيين بالضعف أمام ملوك إيران وروسيا في القرون الوسطى لغزوا آسيا وأوروبا، لكن سلسلة الحروب العثمانية ضد الصفويين والقاجاريين والقياصرة لمئات الأعوام أعادت للعالم توازنه وحفظت أوروبا وآسيا من سلطة دينية واحدة كانت تعمل على عولمة العالم حسب مذهب السنة...

٧- مبررات الحروب سهلة جدا وقصة إيجاد سبب لفعل الشر بسيطة، ومن يظن أن الحرب العالمية الأولى توقفت لشعور الزعماء بالخطأ دون قوة عليا لا يمكنهم السيطرة عليها وشعور جماعي بالضعف فهو واهم، ومن يظن أن إسرائيل ستنسحب من أراضي فلسطين دون شعورها بالضعف فهو مخدوع..

الآن بعد وباء كورونا الذي سينحسر حتما عن خسائر أقل من الأنفلونزا الأسبانية ستقف معظم الحروب الصعبة وتحل مشاكل كانت في الماضي مستحيلة الحل، وتعود للدول سيادتها المفقودة..مما يعني أن الشعب السوري سينال سيادته على أرضه ويُرفع الحصار الدولي على كل من سوريا واليمن وإيران وفنزويلا وغزة، ويعاد النظر بجدية في حل مشكلة فلسطين..

لحظات الرعب التي يعيشها العالم الآن وقياداته ستدفعهم للخيار الصعب الذي لم يفكروا فيه وهم أقوياء، وكما بطشوا وقتلوا وظلموا لطمعهم وجشعهم سيعودوا عن ذلك لشعورهم بالضعف والخوف من اكتساح الفيروس الضعيف الذي يقف العلم حتى الآن عاجزا عن التصدي له...

سيتأسس نظام دولي جديد رسمت معالمه منذ سنوات وأصبح العالم مجهزا لاستقبال ذلك النظام والتعايش معه دون تمرد، ولأنه النظام العادل الذي يجب أن يكون، ثم تعود الكرّة بعد فترة بظهور زعماء أغبياء وجشعين ليشعلوا حروبا أخرى وأزمات أخرى مركبة ومعقدة.. وحين تصل في تعقيدها وشدتها لحظة اليأس..يأتي الحل البسيط غير المتوقع لتدوم الحياه كما دامت ملايين السنين بنفس الطريقة..

مقارنة سريعة بين مصر وتركيا

0
في مقارنة بين مصر وتركيا

أحدهم يقول: أن مصر تم احتلالها 2500 عام بينما تركيا لم تُحتَلّ أبدا لذلك قرارها مستقل وشعبها عظيم صاحب حضارة..

قلت: بعيد عن الشعوب الذي يجب احترامهم وعدم احتقارهم بعنصرية ، وبعيدا عن السياسة وصداعها ودوشتها..لكن ما تقوله غير صحيح، وبرأيي أنه ناتج عن شعور (تتريك) يجتاح الآن بعض الإسلاميين من فرط عشقهم لأردوجان، وبعد موت الرجل تعود ريما لعادتها القديمة..

أولا: الشعب التركي الحالي ليس هو الذي عاش في تركيا القديمة، فبعد سيطرة قبائل بني عثمان أرطغرل التركية على الأناضول بدأوا حملات عسكرية وهجوم ضد سكانها المسيحيين ورثة الإمبراطورية البيزنطية، فطردوا الأرثوذكس لليونان والبلقان وأرمينيا وروسيا حتى اكتملت بتطهير عرقي ضد مسيحيين روما القديمة في بداية القرن العشرين لتخلص تركيا الآن إلى شعب مسلم بنسبة 99%

والعكس صحيح أي أن بعض مسلمي دول الجوار هاجروا لتركيا ليفروا من انتقام المسيحيين لطبيعة حروب تركيا الدينية في القرون الوسطى ، أي أن جذور الشعب التركي الحالي خليط متنوع من الأرمن واليونان والرومان الذين أسلموا بعد سقوط القسطنطينية والروس والجورجيين والأذريين والفرس والبلقان الذين أسلموا ( وتترّكوا) فترة حروب العثمانيين مع القياصرة والصفويين والقاجاريين، علاوة على جذرهم التركي القادم من آسيا الوسطى وتحديدا من منطقة الإيجور الصينية شرقا حتى مناطق الأوزبك والتركمان والقوقاز غربا..

ثانيا: تركيا منذ القرن 5 ق. م كانت جزء من الامبراطورية الفارسية بشعب ينحدر من عدة قوميات يونانية ورومانية، اقرأ عن "الثورة الآيونية" عام 499 ق.م هذه كانت في تركيا من اليونان ضد الفرس، يعني مكانش فيه أتراك وقتها..كانت بلاد مملكة ليديا ورثها اليونان بهجرات شرعوا بعدها في الثورة ضد الحكم الفارسي..

ثالثا: الإسكندر الأكبر احتل تركيا في القرن 4 ق. م في سلسلة حروب بينه وبين الفرس ، وبعد 200 عام من غزو الملك قورش الأكبر لتركيا، والمثير إن كلا الملكين احتلوا مصر أيضا لكن حضرتك ذكرت احتلالهم لمصر ولم تذكر احتلالهم لتركيا..

رابعا: مصر في القرآن والعهد الجديد ذكرت بخير ، بينما تركيا ذكرت بطريقة سيئة خصوصا مدينة (ساردس) عاصمة مملكة ليديا الرومانية التي كانت تفعل الشهوات والنجاسات حسب سفر الرؤيا المسيحي، وهذه النقطة ليست دليل تفاضل عندي لا أهتم بها..لكن أذكرها كدليل يؤمن به الإخواني والإسلامجي عموما باعتبار أن تركيا الآن هي أرض الخلافة..علما بأن مدينة ساردس تعرضت لكارثة وتدمير كلي لزلزال أصابها تم تفسيره مسيحيا على أنه انتقام من الرب على فعل المعاصي، وتم اكتشاف أطلالها بداية القرن ال20

خامسا: الاستقلال السياسي والفكري لا يلزمه احتلال بل يلزمه ثقافة قوية معتزة بهويتها، والشعب المصري في هذه قوي جدا لذلك حافظ على ثقافته رغم خضوعه للاحتلال آلاف الأعوام ، وحوائط آثار مصر تشهد أن عاداتهم وأعرافهم وأقوالهم قبل آلاف السنين لا زالت موروثة، بينما الشعب التركي لديه خلل شديد في الهوية حتى أنه لا يعرف، هل ينتمي لأوروبا وحضارتها أم للمسلمين وحضارتهم القديمة؟..وطلب تركيا الآن للانضمام إلى اتحاد أوروبا يشهد على حجم الخلل والحيرة مما انعكس على سياساتهم..مرة تجدهم مع حلف الناتو ضد العرب والمسلمين، ومرة تجدهم مع المسلمين ضد إسرائيل، ومرة تجدهم مع إسرائيل ضد سوريا والعراق...لا موقف واضح لأن الهوية غير واضحة بالأساس..

سادسا: الدولة العثمانية استفادت من هذا التنوع الشديد لشعبها، فالتنوع الثقافي يعني تنوع لغوي وعقلي وروحاني جعلهم أقرب لكل شعب يحتلونه، يعني عندما احتلوا مصر والشام والعراق وشمال أفريقيا والحجاز تقربوا من أعيانها في البداية وشعبها لاحقا..كما عندما احتلوا البلقان فهموهم بحكم الجوار والثقافة المشتركة، القصة لم تكن فقط سلاح..بل تنوع ساعدهم في اختراق كل مجتمع يحتلوه..

قارن بين غزوات العثمانيين والمغول..وكم عاش هؤلاء وهؤلاء، المغول كانوا أقوى لكنهم كانوا شعب واحد صيني تركي فشل في البقاء كما بقي العثمانيين، يعني القصة مش خلافة وتوفيق من الله ونصر رباني سماوي كما يزعم الأتراك والمتأسلمين..بل عوامل مادية واجتماعية ساهمت في بقاء دولتهم 600 عام لم تتوفر لغيرهم بحكم النشأة المختلطة..

سابعا: الدولة العثمانية لم تُنشئ حضارة بل هدمت ما تبقى منها الذي أنجزها المسلمون في العصر العباسي، وتخلف البلاد التي حكموها في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية لأكبر دليل على أن العثماني المحتل كان متخلفا ولا يفهم سوى لغة السيف ليحكم..

ثامنا وأخيرا: الحضارة تقاس بالواقع لا بالماضي مع احتمال بقاء الجذر والهوية للبناء عليها لاحقا، فكما نهضت اليابان بناء على هويتها اليابانية فقط..ستنهض مصر، لكن في المقابل لا أتوقع أن تنهض تركيا ثقافيا لاضطراب الهوية والشخصية التي تعاني منها، والتقدم الاقتصادي الحالي جزء كبير منه أوروبي علماني من جراء الانفتاح..وفي رأيي لو توفر لمصر انفتاحا علمانيا كما أنجزه أتاتورك لتغيرت أحوال مصر المادية..لكن في الثقافة..لا مقارنة

جواز الترحّم على موتى غير المسلمين

0
يقول الشيوخ أنه لا يجوز الترحم على موتى كورونا

ودليلهم قوله تعالى " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم" [التوبة : 113]

والجواب في عشرة نقاط متصلة:

أولا: سورة التوبة كلها نزلت في من غدروا بالمسلمين عهد لم يذكره النص، أي نزلت في قومٍ بعينهم يحمل النص على الخصوص لا العموم، وبالتالي هي مقيدة في الزمان والمكان ليست مطلقة..ولولا فتوى أهل الحديث بكفر المعتزلة وإطلاقية آي القرآن لحُلّت المشكلة

ثانيا: الآية تقول " من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم" فهل علم الشيوخ أن موتى كورونا من غير المسلمين هم من أصحاب الجحيم؟..هل علموا أي ميت بالعموم أنه في النار كي يفتوا بعدم الترحّم عليه؟

ثالثا: الآية التي بعدها تقول " وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم" [التوبة : 114]
والسؤال: كيف عرف إبراهيم أن أباه من أصحاب الجحيم؟
الجواب: الوحي
فالنبي وحده هو من يعلم بالوحي المتصل ما يلزمه في الاستغفار والترحّم ، لمشروطية ذلك بمعرفة المصير..وهو أمر لا يمكن معرفته سوى بالوحي، وعليه كل من هو غير الأنبياء يجوز له الاستغفار لجهله بمصير هؤلاء..

رابعا: قوله تعالى " ما كان للنبي والذين آمنوا" يطرح إشكالية، فإذا كان العلم بمصير غير المسلم هذا وحيا من الله للنبي..فكيف عرف هذا المصير الذين آمنوا؟
والجواب: بالبلاغ
أي أبلغ الرسول المؤمنين أن فلانا من الناس في حياته من أصحاب الجحيم

خامسا: أبو لهب هو الشخصية الوحيدة التي عرفت قرآنيا أنها من أصحاب الجحيم، وعرف مصيره في بداية الدعوة بسورة المسد التي هي من أولى السور نزولا في مكة، بينما هذه الآية في سورة التوبة (آخر ما نزل من القرآن) وعليه عرفنا أن النبي كان يستغفر لأقاربه ومنهم أبو لهب فنزلت هذه الآية، يدعم ذلك قوله تعالى "ولو كانوا أولي قربي" بإشارة أن هناك قريبا للنبي كان يستغفر الله له بعد نزول النص بمصيره..وهذه الشخصية بكل وضوح هي أبو لهب عمه..

سادسا: الشيوخ قالوا أن هذه الشخصية هو "أبو طالب" عم النبي ووضعوا فيه أحاديث لكن بمراجعة تلك الأحاديث يثبت أنها ضعيفة ورد عليها السيوطي بكتاب "بغية الطالب في إيمان أبي طالب" و الشيخ "زيني دحلان" بكتاب "أسنى المطالب في نجاة أبي طالب" وللشيخين "البرزنجي الشافعي" و "حسن السقاف" رسالة بنفس العنوان..مما يدل على أن استبدال أبي لهب بأبي طالب حدث بنزعة سياسية في العصر الأموي الذي كان فيه شتم آل البيت وذرية الإمام علي وتكفيرهم شائعا.

سابعا: قال تعالى "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" [الممتحنة : 8] وطلب الرحمة لغير المسلمين هو من البر والقسط...

ثامنا: قال تعالى " ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون " [الأعراف : 156] أي أن رحمة الله وسعت كل شئ حتى مصير غير المسلمين، وصيغة (كل ) دالة على التعميم
أما قوله "فسأكتبها للذين يتقون" فهل نعلم المتقي من غير المتقي؟
هل علم الشيوخ من الذي يتقي الله ومن لا يتقيه؟..أليست التقوى (عمل قلبي) وأخلاق ونوايا صالحة تصدق هذا الفعل الحسن؟..ألم نكن حينها قد خرجنا من باب الاعتقاد إلى باب الفعل والسلوك؟..ألا تنطبق هذه التقوى على كل من عمل صالحا سواء مسلم أو غير مسلم؟
أما قوله " والذين هم بآياتنا يؤمنون " هل علم الشيوخ من الذي آمن ومن الذي كفر؟
أليس الكفر هو الإنكار بعلم مضمور في النفس عن استعلاء وتكبر؟..فكيف علم الشيوخ ما يضمره من مات بكورونا كي يقولوا أنه في النار؟

تاسعا: قال تعالى " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" [الأنبياء : 107] فالرحمة هنا لكل العالمين بمن فيهم الكفار التي خصت بهم الدعوة خطابا وما لم تخص

عاشرا: قال تعالى " ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم" [غافر : 7] وهي كالآية السابقة تؤكد رحمة الله (للكل) بالشمول والعموم، أما الدعاء اللاحق فهو للخصوص ، وبالتالي فسياق الآية يؤكد أن رحمة الله بالكفار وغير المسلمين مفتوحة لا تغلق..لكن المسلمين وقتها كانوا يدعون للذين آمنوا وتابو بحكم الجوار والمصير المشترك، وفعل الإنسان ليس دليلا شرعيا بل الدليل الشرعي هو ما جاء النص بوجوبه قطعا بالثبوت والدلالة.

إعلم أن الترحّم من عدمه هو (عمل أخلاقي) قبل أن يكون شرعيا

ومن حُسن الخلق تمني الخير للناس، لأن الرحمة في مضمونها هي (إرادة الخير) فلو أردت الخير لفلان من الناس أو جماعة فهو معبر عن حسن أخلاقك، والعكس صحيح، أي أن تحريم الترحم هو (إرادة الشر) بالناس، والمؤمن الصحيح الذي يفهم دينه أنه جاء لمنفعة الكون يتمنى الخير للجميع ويريد أن يعيش الكل بسلام..

كذلك : فلو دخل مريض كورونا النار لن تستفيد شيئا، لكن ترحمك عليه واستغفارك له يزيد من محبتك في قلبه، ومن يمنع الترحم هو مرتكب لكبيرة عظيمة هي (الكراهية) وما ينتج عنها من البغض والشقاق..فكن خير مثال لمعتقدك مثلما تريد للآخرين أن يحترموك فلابد أن تحترمهم، ومثلما تريد من الآخر أن يؤمن بوجودك ورحمتك لابد أن تؤمن بوجودهم وتتطلب لهم الرحمة..

رؤية أخرى للحرب الأهلية الأمريكية

0
في الحرب الأهلية الأمريكية خلال القرن 19 التي حدثت ما بين عامي 1861 – 1865 م ،كانت الولايات المتحدة فيها مقسومة لجبهتين شمال وجنوب، الشمال كان مركزا للصناعة والتجارة، بينما الجنوب مركزا للزراعة وما يتعلق به من تربية حيوان..إلخ، ولأن العمالة الزراعية كانت أرخص فأثرياء الجنوب من البيض كان يهمهم (بقاء العبودية) لتبقى ثرواتهم أو تزيد، بينما الشمال كان يهمه إلغاء العبودية لرفع عدد المستهلكين لبضائعهم في الجنوب..

بتوضيح أكثر: الجنوب كان فقيرا ويحكمه طبقة رأسمالية لا تستهلك منتجات الشمال بما يكفي ويستعيضون عنها بمنتجات مستوردة أرخص من بريطانيا وأوروبا (قلاع الصناعة وقتها) فلو تم تحرير العبيد وزاد دخلهم الشهري والسنوي سيصبح معهم أموال يشتروا بضائع الشمال، ومع فوز الرئيس "إبراهام لينكولن" برئاسة الدولة عام 1861 تم إعلان سياساته الشمالية اللي من بينها إلغاء العبودية، فانتفض أثرياء الجنوب وجنّدوا العبيد اللي في مزارعهم – وكانوا بالملايين – في جيوش انفصالية حاربت الرئيس لينكولن وأعلنت دولة جنوبية مستقلة تحكم تحت إسم الاتحاد الأمريكي بنظام الكونفيدرالية..وبالتالي انهيار النظام الفيدرالي الأمريكي..

ولتوضيح الفارق بين الفيدرالية والكونفيدرالية..أن الأولى تعني اتحاد بنظام السيادة المتبادلة، يعني من حق حكومة الولاية التصرف في ولايتها كما تريد لكن هذه الولاية في الأخير جزء من اتحاد أكبر له السيادة أيضا على الولاية وتكون السلطة بالتنسيق بينهم والجهة المشتركة التي تتولى هذا التنسيق هي ممثلين الولاية في البرلمان ، وهذا النظام مطبق في الإمارات والعراق عربيا، أما الكونفيدرالية فهو نظام يجمع بين دول مستقلة في اتحاد لا تكون له السيادة على تلك الدول، أشبه بتجمع شكلي على المصالح بين عدة دول تجمعها روابط الدين والعرق واللغة والمصلحة المادية أحيانا..

وبالتالي نفهم إن ما قام به أثرياء الجنوب الأمريكي هو تفكيك للولايات المتحدة أصلا وتشجيع باقي الولايات على الانفصال

المهم : قام لينكولن بدعوة الجنوبيين لإلقاء السلاح واحترام نتائج الانتخابات، بالتوازي مع سياساته بفرض جمارك على بضائع أوروبا لرفع سعرها محليا لكي يشتري الجنوبيين بضائع الشمال، وهنا شعر أثرياء الجنوب بالخطر أكثر..فالرئيس لا يهدف فقط لتحرير العبيد ولكن لجعلهم هما أنفسهم عبيد عند الشماليين عن طريق الارتباط مع بضائعهم علاوة على النتيجة الحتمية لذلك وهي خسارة أموالهم برفع مرتبات العبيد ليكونوا عمال أو هجرة العبيد للشمال كأحرار ليعملوا في المصانع والتجارة، ولأن قضية العبودية لها علاقة بالدين لأن رجال الدين كانوا يقنعون الأثرياء بصحة الاسترقاق دينيا وخطف الناس لاستعبادهم انقسم الشعب الأمريكي دينيا أيضا، في الشمال ثائرين على العبودية لكونها ظلم وعمل شرير من أبناء الله تجاه بعضهم، بينما الجنوب يقبل العبودية من جهة أن الإنجيل لم يدين الاستعباد ولم يلغيه...نفس القصة حدثت عند المسلمين لما أراد الحكام إلغاء الرقيق انتفض بعض رجال الدين وقالوا (هذا حرام)..!!

كانت ولاية "تكساس" ولاية مكسيكية مطلع القرن وقبل الحرب بسنوات كانت جمهورية لم تعترف بها المكسيك، وقد تم ضمها للولايات المتحدة بنظام الاقتراع المحلي على شاكلة ضم القرم لروسيا من أوكرانيا، ولأن المكسيك وقتها كانت ضعيفة عسكريا لم تنجح في استعادتها كما أن أوكرانيا فشلت في استعادة القرم من روسيا لضعفها العسكري، ولك أن تتخيل أن ولاية تكساس هذه مساحتها قد مساحة سوريا والعراق مجتمعة، وأرضها خضراء كلها غابات ولها سواحل وموانئ كثيرة تعني أنها أصبحت (كنز) لأثرياء الجنوب اللي ضاعفوا من ثرواتهم أكثر، وبالتالي كان إلغاء العبودية بالنسبة لوجهاء الجنوب يعني (موت) وضياع حلمهم بالاستفادة من تكساس ، مع العلم إن دخول تكساس ضمن الولايات المتحدة كان مقدمة لحرب بين أمريكا والمكسيك انتهت بضم 5 ولايات مكسيكية لحكومة واشنطن منهم ولاية كاليفورنيا..وهذه قصة كبيرة لا شأن لنا بها حاليا..لكن سنختصر القول بأن أثرياء الجنوب الأمريكي كان يمهم تكساس أكثر لبيئتها الزراعية والبحرية والتجارية، مما يسهل لهم التواصل مع أوروبا شرقا لزوم التجارة وتعويض خسارتهم من رفع الجمارك على بضائع أوروبا من حكومة لينكولن.

وبالتالي نفهم أن قضية تحرير العبودية في أمريكا كان هدفها اقتصاديا أكثر منه ديني وإنساني، وإذا كان العامل الديني والإنساني متداخل فيها لاحقا لكنه لم يكن هو السبب الرئيسي في قيام الحرب

ولك أن تتخيل لولا هذا الدافع البراجماتي الاقتصادي كان حاضرا لأصبح أوباما ومايكل جاكسون وأوبرا وينفي هم (عبيد) إلى الآن، وهذا طرح قديما في فلسفة البراجماتية إن النفعية لا تعني الشر في ذاتها بل تحقيق لمبادئ الخير واختيار الأصلح وفقا للمبدأ العام الذي يحكمها أن (العدل يعني المنفعة العامة) ومن هنا كان تأسيس دستور وثقافة الولايات المتحدة الذين ساعدوها على تسيد العالم سياسيا واقتصاديا وعسكريا..بل وقضائيا باختراع ورعاية نظام (هيئة المحلفين) القضائي الذي يكفل للمواطنين التحقيق كقضاه ممثلين للجمهور كي لا يتسلط قاضي المنصة في الحكم، ودي قصة كبيرة دخلت عشرات الدول لاحقا الفضل فيها للولايات المتحدة كإجراء ضمن سياسات (إصلاح القضاء)

نعود مرة أخرى للحرب: علاوة على دافع إلغاء العبودية والاقتصاد المسببين للحرب كان هناك دوافع أخرى متعلقة بثروات وأدوار الولايات المكسيكية المنضمة حديثا للاتحاد الفيدرالي الأمريكي، وهنا حصلت خناقة تانية بين الجنوب والشمال إضافة لقرارات حكومة لينكولن بإلغاء العبودية في تلك الولايات، لأن وجهة نظر لنيكولن في أنه " لو لم نقدر على إلغاء العبودية في الجنوب فلا نمددها في الولايات المنضمة حديثا للدولة ومنها تكساس وكاليفورنيا بالطبع" وعليه تسبب طمع أثرياء الجنوب في تعقيد المشكلة وقرروا المواجهة عسكريا مع الشمال..

خلافا للشائع ..هذه قصة الحرب الحقيقية، لأن الشائع أن لينكولن هو الذي بدأ الحرب لكي يلغي العبودية لكونها ظلم وضد حقوق الإنسان..و و و و..وهذا غير صحيح في رأيي، لكون فكرة حقوق الإنسان لم تظهر وقتها ولينكولن رغم رفعه شعارات إنسانية لكن هدفه من الحرب كان أكبر من إنهاء ظلم العبيد ، ولمحة بسيطة في العقلية الأمريكية إن الشماليين لن يضحوا بأرواحهم من أجل تحرير غيرهم..هذا غير معروف في ثقافة الرجل الأبيض..الحروب عند الأمريكيين وقتها كانت لمصالح مادية بحتة هي اللي أثرت على فلاسفة القرن 19 في أمريكا وحفزت خيالهم لتصور الفلسفة البراجماتية، أي أن البراجماتية مكانتش اختراع فلسفي لوليم جيمس وجون ديوي..هذه كانت ثقافة غربية تمارس على أرض الواقع منذ عصر الاستعمار وورثتها أمريكا بتوجهها الإمبريالي المعاصر..

أدت الحرب لوقوع (مليون أمريكي ضحية) وتدمير معظم مدن الجنوب، وحقيقة رغم التكلفة البشرية والمادية الهائلة للحرب إلا أنها نقلت الولايات المتحدة جذريا لتصبح أحد القوى الصاعدة دوليا..فمصانع السلاح بدأت تشتغل وانتصار الشماليين أدى لتطوير الصناعة والتجارة أكثر مع التوسع الزراعي في الجنوب والشرق ، ولك أن تعلم بأن نصف مساحة الولايات المتحدة غير صالحة للزراعة وبالتالي كان يتطلب ذلك مشاريع استغلال لهذه الأراضي لو لم تكن للزراعة فاللصناعة والترفيه وخلافه..

أدت الحرب أيضا لإلغاء العبودية في أمريكا وتحول العبيد لأول مرة إلى أحرار يعملون بأجور ثابتة ويملكون منازل ولديهم الفرصة لتكوين ثروات ومنافسة البيض اقتصاديا، وبرغم إن الدافع الاقتصادي كان هو المحرك الأصلي للحرب لكن لينكولن وقتها لم يكن لديه خيار في قبول الحرب لمنع انفصال الجنوبيين، شئ أشبه بالفتنة الكبرى بين معاوية وعلي..لكن هنا انتصار لينكولن كان (أعظم كنز) للبشرية..فحتى لو لم يكن الدافع وراء الحرب إنساني لكن النتيجة كانت إنسانية بحتة بالشروع في تحرير العبيد على مستوى العالم وتكريس حكم القانون والحفاظ على آليات الديمقراطية وتعزيز الحريات الشخصية والعامة..

الحرب الأهلية الأمريكية كانت مصدرا رئيسيا لإلهام مفكري القرن 20 ليتوصلوا إلى مبادئ المساواه وحقوق الإنسان والمواطنة، وربما لو انتصر الجنوبيين على لينكولن لكان العبيد يباعون ويشترون حتى الآن ويخرج شيخ الأزهر والسلفيين بفتوى حاسمة: أن من يطالب بحرية العبيد هو كافر ملعون لن يدخل الجنة ولن يشم ريحها، أما أن المبادرة جاءت من الكفار ولم يكن لهم دخل في هذا الإنجاز وفرضت عليهم الحداثة القول بصحة إلغاء العبودية فبالتالي لا دور مطلقا لمؤسسات الدين الإسلامية سوى في تكريس التخلف والجهل والظلم، وسينتظرون عشرات الأعوام الأخرى ليبدأ الآخرين بالإصلاح ليكفروهم في البداية ثم يقبلوا بإصلاحهم مرغمين..
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

أصل كلمة فرعون

يسأل البعض عن حقيقة تلك الكلمة الموصوف بها ملوك مصر القديمة، وفي الحقيقة رغم كمّ الاجتهادات والنتائج على الشبكة والمليئة بها الكتب لكني غي...

سامح عسكر

موقع الباحث سامح عسكر الرسمي