404

الصفحه التي تبحث عنها غير موجوده

إشكاليات السرد التاريخي لروايات الملاحم

0

 في روايات وملاحم آخر الزمان تُطرَح بعض الأسئلة ، وهي هل في الإمكان أن يشارك المسلم في تلك الأحداث الدرامية كالمهدي والدجال ونزول المسيح ويأجوج ومأجوج وفتح الهند والقسطنطينية وغيرها؟ أم أن المشاركة لم يكن طرحا مقبولا في زمن النص أصلا؟..وبرغم سذاجة السؤال ظاهريا لكنه يحوي معنىً دقيقا وهو التفريق بين الفرص المحققة وغير المحققة..


مثلا عندما ينزل المهدي ويحارب وينتصر بنفس السياق الدرامي العنيف المذكور في الروايات سيكون المسلم وقتها على علمٍ تام بالأحداث والنتائج، وقتها سيكون أمام إحدى خيارين، الأول: أن يشارك في الحدث وهذا لم يُذكَر في الملاحم ولا يتخيله أن يكون جزء من الحديث النبوي، والثاني: أن لا يشارك فيترقب النتائج دون الشك في حتميتها، بالضبط كمن شاهد فيلما دراميا أو أكشن أو رعب وهو يعلم بكل تفاصيله ونهايته لسبق مشاهدته عدة مرات، لكنه منجذب داخليا للسياق كأنه يراه أول مرة..

تلك الخيارات المطروحة تدخل ضمن الفرص المحققة، أي بإمكان المسلم تحقيقها حتى لو لم يشارك في الحدث ..لكن ما لا ينتبه إليه البعض أن هناك جانبا مختلفا وهو الفرصة غير المحققة، أي أنها فرصة لكنها غير قابلة للتحقق وهي أن العالم تجاوز بيئة هذا النص ولم يعد في إمكانه العودة، كوصف المعارك بالسيوف والرماح والسهام والخيول..هذا انتهى، وقانون السببية يتطلب إحيائه - كما قلت منذ سنوات في دراسة المسيح الدجال - أن يلزم ذلك تدمير العقل البشري ليعود إلى نقطة الصفر ليبحث عن سلاحه البدائي، ليس كما يزعم الشيوخ في تحرير تلك النقطة أن الله سيدمر كل الأسلحة المعاصرة..والجواب: أن تدمير السلاح لا يعني تدمير العقل الذي أنتجه، وبإشكالية أخرى أن بدائية العقل لو تحققت ليبحث عن سلاحه من جديد ليس شرطا أن يكون بالسيوف والرماح فلربما العقل البشري الجديد يفطن لسلاح مختلف ولكنه بدائي.

السببية هنا تعني تماسك الطرح وواقعيته، وإشكالية النص الروائي تظل في طبيعته الأدبية الخيالية التي لم تكن حينها بحاجة لسببية كي تقنع الجماهير، فالعالم قبل 1000 عام هذه كانت حياته وحروبه والنص المتماسك يحاكي بالضبط طُرق معيشته، وهذا يفسر كيف أن جمهور وغالبية فقهاء المسلمين لم يشكوا في تلك الروايات حتى بعض المعتزلة الذين خالفوا الجمهور في العقائد ذهنيا لم يخالفوهم روائيا في هذا الجانب لتعلقه بالسياسة، وقد سبق الإشارة في محاضرتي عن المعتزلة كيف ولماذا لم ينكر القاضي عبدالجبار مثلا عقيدة قتل المرتد وأن بعض شيوخ الاعتزال كانوا أصوليين سنة في هذا الجانب..

مما يدل أن النص الروائي في الملاحم كان عشوائيا من الناحية العلمية بينما كان منظما من حيث الجانب الاجتماعي اللائق لجماهير القرون الوسطى، ولولا غياب التفكير بالحدس في تلك العصور لوصل الفقهاء إلى الشك في طبيعة ومعقولية تلك النصوص وأنقذوا مجتمعاتهم من الخرافة والادعاء المتكرر بالمهدوية والمسيحاوية، وفي تقديري أن العقل الحدسي الغائب عن فقه المسلمين هو السبب في غياب العقل الكلي لصالح النقل والتقليد، والمقصود بالحدس هنا أن تنظر للنصوص من خارج الصندوق لا الاستغراق بداخله ومحاولة تفسير كمّ التعارضات والإشكاليات بنفس المنهج التقليد وهو المقاربة الروائية لا أن يجعل الذهن حكماً على هذا الصندوق

والحدس قد يشار إليه بصيغة أخرى هي الوجود، أي كان مطلوبا من بعض الفقهاء أن يهتموا بموقفهم الوجودي من الروايات والملاحم..وفي التراث توجد بعض الإشارات على هذا الموقف الوجودي الشخصي من الملاحم كموقف الإمام "أحمد بن حنبل" مثلا والذي يرفض المغازي والسير والتاريخ ..فادعى تلاميذه أن رفض إمامهم لتلك العلوم سببه غياب السند الكافي للوصل، وبرأيي أن هذا تزوير من موقف الإمام..فابن حنبل كأي محدث عاش في عصر المتوكل ومن بعده لم يقبلوا كتب التاريخ السابقة كأعمال ابن إسحاق والواقدي لإنصافها المذهب الشيعي ومن يسموهم القدرية تاريخيا، وابن حنبل كان له موقفا وجوديا مذهبيا قام على إثره بتكفير الآخرين كما تقدم في دراسة موقفه التكفيري من الإمام أبو حنيفة النعمان منذ سنوات، وهو إمام أهل الرأي الخصم الأشهر لمدرسة الحنابلة..

أما تبرير أتباع ابن حنبل لرفضه المغازي والسير بغياب السند فهو يعود لموقف هؤلاء التاريخي الذي صاغه ابن تيمية وأحيا به فقه المحدثين والحنابلة بالخصوص كعلماء مذهب معتبرين، وهم من كانوا قبل ابن تيمية أصبحوا في عداد المشبهة والمجسمة والجبرية كالدارامي وابن خزيمة والبربهاري، فقد مات هؤلاء في ضمير فقهاء السنة بعد تكفيرهم لكل من لا يقل بمذهبهم أن الله في السماء ووصفوا خصومهم بأوصاف مكروهة كالمعطلة والجهمية وغيرها، حتى قام ابن تيمية باستدعاء أفكارهم وفتاويهم ضمن سلسلة أعمالة الواسعة ومصنفاته التي بلغت المئات مما أعاد للحياه أفكارهم وللمجتمع سطوتهم..

وسبق القول أن إحياء مذهب أهل الحديث في عصره الثاني على يد ابن تيمية أعاد للسردية القديمة في زمن المتوكل هيبتها، فقد أحيا قدسية الصحاح والكتب التسعة وأعاد الاعتبار للسند مثلما أهمله من قبله كابن عبدالبر والبغدادي والغزالي والطبري وغيرهم، حتى أن حياة ابن الجوزي البغدادي بين هؤلاء وابن تيمية كانت كطيف عابر ليس له أثر لشيوع رؤية مختلفة عن الروايات تقول أنها مجرد دليل لفهم الدين وليست أصلا من أصول الدين، مما يعني أن نشاط ابن الجوزي في فحص وترتيب وتهذيب الروايات والخروج بموسوعته عن الضعيف والمنكر لم تشتهر في زمانه والدليل أنها غابت عن معظم أدلة وحجاج فقهاء عصره ومن خلفوه حتى جاء ابن تيمية وأحيا فقه السند مرة أخرى ليعود ابن الجوزي للواجهة ويتم اعتماد علم الحديث كعلم معتبر وأصلا من أصول الدين

وسبق القول أيضا تقسيم عصور الحديث لأربعة، فالأول منها هو عصر البخاري وابن حنبل والثاني لابن تيمية وابن الصلاح والثالث لابن عبدالوهاب، والرابع للألباني والجماعات الذي نعيشه، وقد عمدت إلى تصنيف عصور الحديث بهذا الشكل ليسهل علينا فهم الحقب التاريخية السابقة على هذا النحو كي يتيسر نوعا ما فهم المراحل الوسيطة بين تلك العصور، فالطبري والغزالي والبغدادي مثلا عاشوا في مرحلة وسيطة بين عصريّ حديث لم يلزموا في فهمهم أصول السند، لذلك غابت عن كتبهم دقة علم الرجال وكثرت في مصنفاتهم الأحاديث الضعيفة والموضوعة، نفس الشئ علماء كالسيوطي وزكريا الأنصاري وابن حجر الهيثمي وغيرهم الذين عاشوا في مرحلة وسيطة بين زمن الإحيائين الثاني والثالث..وهكذا..

برغم أن السردية التاريخية الطبيعية لتراث السنة أضعف في كثير من جوانبها من سردية أصحاب المراحل الوسيطة، فهذا السيوطي الذي ألّف في كل شئ من الفقه والتاريخ والتفسير والجنس يكاد يكون موسوعة علمية مقارنةً بالإمام يحيى النووي، فالثاني اشتهر بالأربعين حديثا في الصحيحين وهو بذلك يكون أقرب لعلماء الحديث وسرديتهم ..لكنه في باب العلم والوعي التاريخي أضعف بكثير من السيوطي لكنه تميز بالتصنيف الفقهي والأخلاقي فقط مما يعني أن النووي حسب معاييرنا الحديثة هو صاحب عقل تحليلي إسلامي مقيد بالمتاح ولا قدرة له على تجاوزه كسائر فقهاء المسلمين القدامى، خلافا للسيوطي الذي يمكن وصفه بالكمبيوتر المتنقل مما ساعده على تجاوز بعض الثوابت السنية في عصره كموقفه من عائلة النبي وعمه أبي طالب وجرأته بالكتابة في الجنس لحد قد نراه حاليا (تجاوزا أخلاقيا) في الدين والعُرف..

هذا يعني أن التقيد بالروايات وأصول تحقيقها في السند لا ينتج فقط جمودا وخرافة أدت لشيوع المهدوية وقلاقل سياسية متعلقة بالعقيدة، ولكن أنتج أيضا انفتاحا علميا لطبيعة الرواية الصادرة من أنفس متعددة لها تفكير نسبي مختلف، والدليل على ذلك أن مثال السيوطي الذي تجاوز بعض ثوابت السنة في عصره تكرر قبل الرجل ب 6 قرون مع الإمام الطبري الذي لم يهتم بالسند واعترف بذلك في مقدمة كتابه عن التاريخ، لكن انفتاحه العلمي أدى به لرفض ثوابت سنية أصيلة كأفضلية أبي بكر عن عليّ بن أبي طالب فقام بتصحيح حديث "من كنت مولاه فعليّ مولاه" وقال بتواتره فكان سببا في إنهاء حياته وضربه من طرف الحنابلة.

ولولا أن السببية في البعد التاريخي غائبة ما حدث ذلك حين قتلوا الطبري أو عندما أحيا ابن تيمية فكر خصومه، وأقصد هنا بالسببية التاريخية هي الربط بين علامات التاريخ الكبرى وأحداثه العظمى المفصلية كمقدمة للربط بين الصغائر والروايات المتوسطة، فحدث تاريخي كبير كسقوط الدولة الساسانية كان يلزمه تجريد هذا السقوط علميا والبحث في أسبابه وكيف أن سقوط الدولة البيزنطية تأخر عن هذا التاريخ 8 قرون متصلة كان فيها الإمبراطور المسيحي قويا، وما العوامل التي أدت لنجاح العرب في دخول مصر والشام وأفريقيا وانتزاعهم من البيزنطيين بينما فشلوا طوال هذه المدة في غزو القسطنطينية، وبينما الرد الشهير موجود بحصانة المدينة وقوتها ومنعتها لكنها بأي حال لن تكون أقوى من حصانة طيسفون الساسانة الواقعة على شرق نهر دجلة..

فقبل أن يسقط العرب بلاد فارس كان لديهم مانعين مائيين قبل الوصول لطيسفون هما الفرات غربا ودجلة شرقا، وضيق مساحتهم عرضا يسهل للطرف المدافع عن نفسه أن يجعل من هذين النهرين موانع مائية كبيرة كما جعلت إسرائيل قناة السويس مانعا لحمايتها، أما القسطنطينية فليس هناك مانعا مائيا يحميها سوى البحر الأسود شمالا وبحر مرمرة جنوبا، ولكي يصل العرب للبحر الأسود عليهم اجتياز آسيا الصغرى أولا هذا على فرض صعوبة الوصول لبحر مرمرة وشدة تحصينه من ناحية بحر إيجة، وبالتالي الطريق كان مفتوحا للعرب لإسقاط البيزنطيين شريطة أن يمروا من آسيا الصغرى للبحر الأسود..وهذا لم يحدث لجهل مؤرخي العرب بأسباب النصر واعتمادهم فقط على الحشد الديني الذي كان الروم حينها يجيدون الحشد بنفس الدرجة على ناحيتين، آسيا الصغرى شرقا وأوروبا غربا

فقبل الانشقاق المسيحي العظيم في القرن 13 م كان مسيحيو أوروبا كتلة واحدة فكان سهلا على إمبراطور بيزنطة أن يحشد دفاعا عن مدينته بوازع ديني، وأن يخلق من بيئته المحيطة حصونا دفاعية عسكرية هي التي عطلت المسلمين طوال 8 قرون عن إسقاط الدولة البيزنطية، وتأثير هذه الأحداث العظيمة تاريخيا كبير حيث لم يتوقف على التغيير السياسي بل عقبه تغيرا كبيرا في الأفكار أدى بعد سقوط بيزنطة إلى هجرة عقول المسيحيين المكبلة تحت إمرة حكم الإمبراطور المركزي الديني لأوروبا الوسطى والغربية فحدثت أعظم نهضة إنسانية في التاريخ والتي يعيشها الإنسان المعاصر، أي لولا سقوط بيزنطة تاريخيا ما تقدمت أوروبا، في حين أن سيطرة العثمانيين على القسطنطينية لم تجعلهم متقدمين بل حُسِبَت إمبراطورية آل عثمان على أشد الدول تخلفا عقليا وعلميا في التاريخ الإنساني

كذلك لولا سقوط بيزنطة ما شعر مسيحيو أوروبا الغربية بالخطر ليجتمعوا على مسلمي الأندلس ويطردوهم في خلال 4 عقود، فكان التعادل سيد الموقف..هزيمة هنا ونصر هناك، بينما هذه الطريقة السببية في التفكير كانت غائبة عن فقهاء القرون الوسطى لتصبح لديهم القدرة على فهم التاريخ الذي هو مفتاح فهم الإنسان وحضارته بشكل عام..

وأختم بأن موقف المسلمين من التاريخ لم يكن مبنيا فقط على جهل به أو بأبعاده وفلسفته، ولم يتوقف على أطماع وأحقاد السياسة أو قصور الإنسان وتعاطيه الغبي مع العالم..ولكن أيضا كان لجهل المسلمين بعلم النفس دور كبير في الجهل بمصدر أخبار الملاحم والفتن والخرافات، فكلما كانت النفس عشوائية غير مرئية كلما كانت معقدة غير مفهومة وبالتالي يصعب التحكم فيها أو الوصول لهيكلها التنظيمي، وأزعم أن علم النفس حين ظهوره أعطى زخما للفكر من تلك الناحية، فبدأ الإنسان يرى عشوائيته النفسية السابقة بطريقة منظمة مفهومة ويربط بين الأسباب والنتائج بشكل صحيح حتى انتشر الطب النفسي المجرب وأصبح ساحة علوم كبيرة ومهمة دخلت في شتى الجوانب العلمية كالدين والمجتمع والسياسة والاقتصاد

وجهل المسلمين بعلم النفس هو مصدر جهلهم بسلوك الإنسان ودوافعه، فعندما نظر الفقهاء في روايات الملاحم والتاريخ مثلا لم يهتموا بالدوافع قدر اهتمامهم بالنتائج وقبول تلك الروايات عقائديا وسياسيا، فحين يقبل الشيخ رواية تاريخية ويرفضها فعن سياسة ومعتقد..لا دخل هنا بالجانب النفسي الأهم الذي في غالب أحواله هو مصدر نشوء تلك الرواية، وفي ظني أن فقدان المعلومة التاريخية أثر بشكل كبير بحيث أعطى للفقهاء المسلمين تبريرا مناسبا لموقفهم والشك في أي نتيجة أخرى حتى لو كانت منطقية وعلمية، وإلى هذا تدور دفاعات الشيوخ عن التراث، فحين يعجزون عن تبرير موقفهم علميا وأخلاقيا يشككون في السردية الأخرى وينزعون عنها صفة الإجماع وفقدان المصدر، بينما نفس هذا السلوك الفقهي يوجه كدليل ضدهم خصوصا وأنهم فئة تعتقد بالأغلبية والإجماعات لاسيما أن هذه الطريقة في الاعتقاد يسهل دحضها بعرض واكتشاف الرأي الآخر أو أي تأويل عارض مختلف..

غزو القسطنطينية..الوهم المقدس

0

 وقفنا في مقال "ذات الصواري معركة الانتصار الزائف" ومحاضرة "أكذوبة معركة ذات الصواري على يوتيوب" على أن غزو القسطنطينية كان (حلماً أمويا) بدأوه في عصر الخليفة عثمان بن عفان، وأن هذه الغزوة تم تزييف أحداثها عربيا لكن ذكرها المؤرخون البيزنطيين برواية مختلفة تشهد بانتصار البيزنطيين وتسببها في مقتل الخليفة عثمان لاحقا وهروب والي مصر عبدالله بن أبي السرح وموته كمدا في عسقلان..


وأن سياسة ملوك الأمويين وقتها كانت مبنية على حشد الغوغاء للجندية في الجيش بوزاع ديني، وأنهم وضعوا أحاديث الجهاد التي ترغب في القتال للشريعة خصوصا لغزو القسطنطينية لإسقاط الدولة البيزنطية المسيحية أسوة بما فعله الخليفة عمر بن الخطاب في إسقاط الدولة الفارسية المجوسية....وفي دراسات سابقة طرحت الأدلة على أن مهندس تلك العملية هو الراوي "ابن شهاب الزهري"

اليوم مع معلومات جديدة تطرح لأول مرة في نقاط متصلة:

1- دمر العباسيون ملك بني أمية وكانت القسطنطينية ما زالت في يد البيزنطيين، لكن حُلم فتح المدينة ما زال يراود الخليفة " أبو جعفر المنصور" في القرن 2 هـ

2- في عصر المنصور ظهرت روايات مختلفة تقول أن فتح القسطنطينية سيكون على يد الإمام (المهدي) ليستغلوا عاطفة الشيعة الفرس في الجندية كما فعل الأمويين في استغلال عاطفة العرب، وبالفعل ظهرت روايات الفتح منسوبة للرسول وكبار الصحابة تبشر بفتح القسطنطينية على يد إمام آخر الزمان المهدي والذي سيسلم مفاتيحها لعيسى بن مريم ..

3- مات الخليفة المنصور ولم تُفتَح المدينة ، ثم نُصّب ولده "محمد" ذي ال 31 عام كخليفة ثم لقبوه بالمهدي

4- الخليفة المهدي كان يحكم طبرستان في ولاية أبيه، يعني صاحب خبرة سياسية كبيرة وشعبية بين الفرس على ساحل بحر قزوين قبل أن يصبح خليفة شرعي، وهذه المنطقة الممتدة من تركمانستان حتى طبرستان كانت موطن ظهور روايات المهدي وفتح القسطنطينية ، أولا لخدمة حلم العباسيين بفتحها، ثانيا في التبشير بنيل الأمير "محمد بن المنصور" هذا الشرف..

5- في هذا العصر ظهر راوي تركماني هو "نعيم بن حماد" تـ 228 هـ هو الذي بشر بفتح القسطنطينية على يد الخليفة المهدي، ولكن بعد موت الخليفة والمدينة لا زالت عصيّة على الغزو وتخيف أي جيش يحاول التفكير فيها اضطربت روايات نعيم فمرة يقول أن المهدي سيفتحها، ومرة يقول أن (المهدي الثاني) هو الذي سيفتحها ثم سمى هذا الإمام الثاني "هيم" راجع كتاب الفتن لنعيم بن حماد (1/392)

6- حكم القسطنطينية لابد وأن يكون من الخليفة الشرعي ولا نزاع عليه، لذلك مطلوب في أمره صفتين، الأولى أن تجتمع عليه الأمة وهذه لم تحدث أبدا في أي خليفة، الثانية وهي الأسهل أن يكون من ولد قحطان، يعني العرب المستعربة من أولاد إسماعيل في الحجاز، وهذا كان منشأ قصة قرشية الخليفة في روايات الصحيحين لاحقا..وبالتالي فالذي يفتح القسطنطينية لابد وأن يكون عربيا من ولد قحطان وبالأخص قريش..وأخص الأخص بني هاشم حسب القاعدة التي أسسها أبو جعفر المنصور كونه هاشميا..

7- ابن حماد صرح بهوية وقبيلة المهدي تحديدا (بني هاشم) في أحداث غزوة الهند، ولو تتذكروا عرضنا من قبل قصة غزو الهند أنها فشلت في عصر الأمويين وقتل فيها "محمد بن القاسم الثقفي" كعقاب له من الخليفة "سليمان بن عبدالملك" على هزيمته تحت أسوار الهند، وكعادة الأمويين في اعتبار أي مدينة صعبة الغزو أن يجعلوا دخولها من علامات الساعة..وبالفعل تم وضع أحداث فتح الهند من علامات الساعة ما قبل ظهور الدجال والمسيح...

وملخص ذلك أن القاسم الثقفي غزا بلاد السند عام 90 هـ فظل يقاتل 5 سنوات حتى هزم على حدود السند الجنوبية، فتوقف الجيش وعاد إلى دمشق، وهناك انتقم منه سليمان بن عبدالملك بسجنه وإعدامه ، بعدها ظهرت أحاديث تقول أن فتح الهند من علامات الساعة مع نزول السيد المسيح وفتنة الدجال..وهنا ملاحظة هامة: أنه وعندما يلقي العرب الغزاه مقاومة من الشعوب يسلكون أحد مسلكين:

الأول: هو اعتبار غزوهم من علامات الساعة كما تقدم، بهدف حشد وتجييش المسلمين للمعركة الكبرى الفاصلة التي تعقبها جنان الخلد والحور العين..وحدث ذلك عندما فشلوا في غزو القسطنطينية..

الثاني: كان يرافقهم (جهاز إعلامي) لبث الروايات والإشاعات والأحاديث بأمر من الخليفة ودعم من رجال البلاط، فينشطوا في ذم الأمم وشيطنتهم.

فعندما أرادوا غزو بلاد خراسان وإيران- مثلا- ظهرت أحاديث ذم المجوس والترك وهم شعوب هذه المناطق، وعندما أرادوا غزو بلاد المغرب ظهرت أحاديث ذم البربر من ذلك "لا تعط بربريا صدقة ولو أن تطعمها للكلاب" و.."ما تحت أديم السماء أشر من البربر"..وأن الرسول تعوذ بالله من فتنة أهل المغرب، وأخيرا : " قسم الله الشر 70 جزءا فجعل تسعة وستون جزءا في البربر وجزء واحد في سائر الناس"..(كتاب الفتن لنعيم بن حماد) بالضبط حين استدعى السلفيون أحاديث وفتاوى ذم النصيرية والعلوية للتشجيع والتطوع في معارك سوريا، ولو قدر الله أن يحدث عداء بين متطرفي الخليج ومصر الآن ستظهر نفس دعاوى أسلافهم الوهابيين حين تصدوا لجيوش محمد علي بجهاز إعلامي يصف المصريين بالوثنيين الكفار عبيد السيد البدوي..وبدلا من كلمة "الشقيقة مصر" ستتحول إلى "أرض الفتن ومنبع الشرور"..

8- مات الخليفة المهدي ولم تُفتَح القسطنطينية فوعد إبنه الهادي أن يحقق هذا الهدف، لكنه كان ضعيف الشخصية، بالمصري (وزراءه قرطسوه) وشجعوا الشيعة للانتقام مما فعل جده المنصور بالنفس الزكية، وهنا كانت معركة "فخ" سنة 169 هـ، وهي المعركة اللي أضعفته جدا في القصر وتسببت في موته مبكرا وعمره 24 سنة

9- تولى هارون الرشيد الحكم وعقد العزم على تحقيق ملك ونبوؤة أجداده، وبالفعل حشد الجيوش لفتح القسطنطينية وحاصرها لكنه فشل كالعادة، وهنا كانت المرحلة الثانية لروايات فتح القسطنطينية وربطها بالقدس وفلسطين وخراب يثرب، وظلت روايات القسطنطينية شائعة وتخرج سنويا بشكل أحاديث ومنامات طوال العصر العباسي إلى أن غزاها السلطان التركي "محمد خان الثاني" الشهير بالفاتح

10- المضحك أن روايات فتح القسطنطينية كان فيها هذه الجملة (وتعقدوا الصلح مع الروم ثم تحاربون عدوا لهم) يعني أصبح المسلمين والبيزنطيين أصدقاء وحلفاء..وباستعراض التاريخ نجد أن الرواه ذكروا ما حدث في عصر هارون الرشيد من معاهدات بيزنطية عباسية مع الإمبراطور "نقفور الأول" وبين أبي جعفر المنصور والامبراطور "قسطنطين الخامس"

أما حديث "لتفتحن القسطنطينية فنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش" فهو حديث منكر لم يسجل في الصحيحين أو الكتب الستة إجمالا، برغم أن البخاري ذكره في التاريخ الكبير، وملخص الحديث أنه ظهر على يد البخاري وابن حنبل في المسند، حتى انهم اختلفوا في اسم الصحابي، ابن حنبل يقول عليه "بشر الخثعمي" والبخاري يقول "بشر الغنوي" حتى اختلفوا في إسم ولده، البخاري يقول عبيد وابن حنبل يقول عبدالله، حتى تم اعتماد جهالة الولد وأبوه في علم الرجال..

بعض الفقهاء قالوا هم اثنين مختلفين وآخرون قالوا هو شخص واحد، وباختصار: هذا صحابي مجهول أسندوا له حديث القسطنطينية بعد فشل هارون الرشيد في غزو المدينة، والدليل أنه لم يذكر في مدونات ما قبل هارون، ورأيي أنه ظهر في خلافة إما المعتصم أو المتوكل فكلاهما زاد فيهما نفوذ الترك الأسيويين وهم الذين حلموا بدخول القسطنطينية منذ أيام جعفر المنصور، وقد اعتاد الوضاعون على فبركة تلك الأخبار لأهداف سياسية كما حدث مع رواية "أسعد العجم بالإسلام فارس، وأشقى العجم بالإسلام الروم، وأشقى العرب بالإسلام تغلب والعباد"..(جامع معمر بن راشد 19925)

فهذا الحديث وضع بعد غزو بلاد فارس عام 23 هـ وفشل غزو الروم وإسقاط الدولة البيزنطية، أي ظهر تقريبا في العصر الأموي بعد فشل حملات عثمان ومعاوية لغزو القسطنطينية..فأسعد البلاد هي التي تقبلت دعوة المسلمين ولم تقاوم، وأشقاهم أي التي قاومت، علما بأن قبائل تغلب والعباد سكنت قديما أراضي العراق والأردن، وهؤلاء كانوا إما مسيحيين أو عناصر لجيوش الشيعة وابن الزبير والخوارج..فجاء ذمهم باعتبار محاربتهم للخليفة الأموي، ودلالة ذكر قبيلة العباد تحديدا يعني الحديث ظهر في الشام بعد إنهاء تمرد بن الزبير..

قبيلة تغلب جاءت الآثار في ذمها لتمسكها بالمسيحية فمنع أكل ذبائحها ودفعت الجزية مضاعفة، وهذا دليل إضافي أن ذمها في الحديث ذكر بعد عصر الفتوحات/ الغزوات ولم يعلم الرسول عنه شيئا..

أما دار الإفتاء المصرية..فلهم كلمة واحدة (صباح الخير) بل (صباح الفل) على عيونكم، تصححون حديث مفترى لم يذكر في الكتب الستة ومشكوك حتى في إسم الصحابي، فقط لأن الإخوان هم الذي نشروه وربطوا بينه وبين السلطان التركي "محمد خان"..ولو الأزهر كله على بعضه فيه علماء بحق وحقيق لانتفضوا على تلك الفضيحة وأعلنوها بجرأة..أن غزو القسطنطينية هو كغزو مصر أو دمشق والشام، مجرد صراع سياسي بين الملوك البقاء فيه للأقوى..

أصل كلمة فرعون

0
يسأل البعض عن حقيقة تلك الكلمة الموصوف بها ملوك مصر القديمة، وفي الحقيقة رغم كمّ الاجتهادات والنتائج على الشبكة والمليئة بها الكتب لكني غير مقتنع بما قدموه..ولم يسبق لي التعليق على هذه النتائج لكونها تحريفا لغويا لا صلة له بالواقع..

كيف؟

أشهر تفسير للكلمة وهو (البيت الكبير) من مقطعين (بر عا) وهذا خطأ من ثلاثة نواحي:

الأولى: لا يوجد رابط بين برعا وفرعون..النطق والرسم مختلف

الثاني: لو كان وصفا للملك لاستعمله ملوك مصر جميعهم منذ أول اكتشاف له بعصر الدولة الحديثة..أقصد لفظ (بر عا) فكل الأسرات التالية لم تستعمله، واليونان والفرس والآشوريين لم يعرفوه برغم أن الآشوريين هم أولاد عمومة العبرانيين والعرب في اللغات السامية..

الثالث: المصريون القدماء لم يقدسوا قصور الملك لكي يصفوا بها الملوك أصلا، وأكبر دليل على ذلك أنه لا توجد آثار مصرية قديمة للقصور والمنازل..فقد كانوا يبنوها من الطين والخشب المعتاد في مصر والذي ظل إلى وقت قريب موروث منذ آلاف السنين قبل تحديثها بالطوب المحروق والمشهور عند الفلاحين (بالأمينة)

المصري القديم كان يبني منزله بالطين (ملوك – فقراء – وزراء – جنود..إلخ) والسبب أنه كان المتوفر والأسهل في تربة مصر النيلية، ولأنه يعزل الحرارة في الصيف فيكون المنزل باردا ويعزل الرطوبة في الشتاء فيكون المنزل دافئا..وبرغم هذه الميزة لبيوت الطين المصرية لكنها كانت ضعيفة أمام الفيضان والمطر فكانوا يعالجون ضعفها بالخشب وخصوصا خشب الجمّيز..

والمشكلة لمن يفسر فرعون بالبيت العظيم أنه لا يستطيع تفسير لماذا خلت آثار مصر من قصور الملوك وحُصِرت فقط بالمعابد والقبور والأهرام والتماثيل، هذا يعني أن استخدام الحجر عند المصري كان له علاقة بالموت وفكرة الخلود المذكورة في كتاب الموتى، والحجر ملائم جدا لفكرة الخلود بشكل عام ولولا اعتقاد المصري القديم بخلوده ما بني قبوره ومعابده من الحجر وما ورثنا هذه التركة العظيمة ..

في الحقيقة ليس لدي تفسير مؤكد حول الكلمة، لكني أميل لأنها نطق (سامي) لوصف ملوك مصر القدماء منذ عصر الدولة الحديثة وأول ذكر لها كان في سفر التكوين بقصة يوسف، والآثار تقول أنها كانت لإخناتون..وبالنظر لموسوعة تل العمارنة للدكتور سيد القمني نجد أن نفرتيتي زوجة إخناتون كانت من (بدو الميدانيين) التي عاصمتهم البتراء في الأردن، بينما في سفر التكوين نجد أن التجار الذين باعوا يوسف في مصر كانوا من أهل ميديان، وبالتالي وصف فرعون في قصة يوسف متفق مع زمن إخناتون في القرن 14 ق.م، ومن هذا المدخل رأى البعض أن إخناتون هو يوسف..وهذا بحث آخر مختلف ليس عليه أدلة علمية بل مجرد تخمينات.

المهم: أن النطق السامي لفرعون شبيه بالنطق السامي لإسم (سمعان/ سيمون) وهو (شمعون) وبالتالي نطق (فرعون) كنطق (شمعون) أصوله لغوية سامية مرتبطة بالحضارة الأكدية ورثها البابليون ومنها العبرانيين والآراميين والعرب بوصفهم أشقاء للبابليين في الثقافة السامية..مما يعني بأن فرعون هو وصف وليس إسم علم..والأقرب أنه كان وصفا مقدسا للملك من طرف الساميين فقط..

فإذا علمنا أن شمعون أو سمعان تعني (المطيع) ففيها معاني العبادة والطاعة وبالتالي وصف فرعون يعني (عبد لكذا) والسؤال: عبد لمن بالضبط؟..والجواب: لا أعلم والأقرب أنه للإله (رع) الذي وصفته في دراستي عن مصر القديمة منذ فترة أنه كان حاضرا في ذهن إخناتون كخالق ورب واحد، فأراد إحياء صفاته ومعانيه بإسم جديد وقتها هو (آتون) ويمكن ملاحظة أن حرفيّ (رع) يشكلون نصف المقطع الأول الصوتي (فارع) قبل أن يكسره العرب ب (فيرع) ولا زال هجاء الكلمة في اللاتينية لنفس المقطع متأثر بالنطق العبري phar

هذا مجرد اجتهاد أزعم أنه غير مؤكد مني، لكني في المقابل غير مقتنع بكل المعاني التي قيلت في السابق، وأؤمن أن المصري القديم كان يسمي ملوكه بإسمهم فقط، أما الألقاب فكانت من الشعوب الأخرى تعظيما ومهابة لهم..ثم جاء زمن بعد ذلك سميت الملوك بألقاب محلية ككسرى وقيصر في الروم وفارس وروسيا، ولو عثرنا على وصف ملك مصري لنفسه بالفرعون فبرأيي لن يكون أقدم من الدولة الحديثة في عصر إخناتون الذي يعد هو أول ملك مصري يتعامل مباشرة مع الساميين القدماء ويتواصل معهم لدرجة المصاهرة..

رؤية أخرى للحرب الأهلية الأمريكية

0
في الحرب الأهلية الأمريكية خلال القرن 19 التي حدثت ما بين عامي 1861 – 1865 م ،كانت الولايات المتحدة فيها مقسومة لجبهتين شمال وجنوب، الشمال كان مركزا للصناعة والتجارة، بينما الجنوب مركزا للزراعة وما يتعلق به من تربية حيوان..إلخ، ولأن العمالة الزراعية كانت أرخص فأثرياء الجنوب من البيض كان يهمهم (بقاء العبودية) لتبقى ثرواتهم أو تزيد، بينما الشمال كان يهمه إلغاء العبودية لرفع عدد المستهلكين لبضائعهم في الجنوب..

بتوضيح أكثر: الجنوب كان فقيرا ويحكمه طبقة رأسمالية لا تستهلك منتجات الشمال بما يكفي ويستعيضون عنها بمنتجات مستوردة أرخص من بريطانيا وأوروبا (قلاع الصناعة وقتها) فلو تم تحرير العبيد وزاد دخلهم الشهري والسنوي سيصبح معهم أموال يشتروا بضائع الشمال، ومع فوز الرئيس "إبراهام لينكولن" برئاسة الدولة عام 1861 تم إعلان سياساته الشمالية اللي من بينها إلغاء العبودية، فانتفض أثرياء الجنوب وجنّدوا العبيد اللي في مزارعهم – وكانوا بالملايين – في جيوش انفصالية حاربت الرئيس لينكولن وأعلنت دولة جنوبية مستقلة تحكم تحت إسم الاتحاد الأمريكي بنظام الكونفيدرالية..وبالتالي انهيار النظام الفيدرالي الأمريكي..

ولتوضيح الفارق بين الفيدرالية والكونفيدرالية..أن الأولى تعني اتحاد بنظام السيادة المتبادلة، يعني من حق حكومة الولاية التصرف في ولايتها كما تريد لكن هذه الولاية في الأخير جزء من اتحاد أكبر له السيادة أيضا على الولاية وتكون السلطة بالتنسيق بينهم والجهة المشتركة التي تتولى هذا التنسيق هي ممثلين الولاية في البرلمان ، وهذا النظام مطبق في الإمارات والعراق عربيا، أما الكونفيدرالية فهو نظام يجمع بين دول مستقلة في اتحاد لا تكون له السيادة على تلك الدول، أشبه بتجمع شكلي على المصالح بين عدة دول تجمعها روابط الدين والعرق واللغة والمصلحة المادية أحيانا..

وبالتالي نفهم إن ما قام به أثرياء الجنوب الأمريكي هو تفكيك للولايات المتحدة أصلا وتشجيع باقي الولايات على الانفصال

المهم : قام لينكولن بدعوة الجنوبيين لإلقاء السلاح واحترام نتائج الانتخابات، بالتوازي مع سياساته بفرض جمارك على بضائع أوروبا لرفع سعرها محليا لكي يشتري الجنوبيين بضائع الشمال، وهنا شعر أثرياء الجنوب بالخطر أكثر..فالرئيس لا يهدف فقط لتحرير العبيد ولكن لجعلهم هما أنفسهم عبيد عند الشماليين عن طريق الارتباط مع بضائعهم علاوة على النتيجة الحتمية لذلك وهي خسارة أموالهم برفع مرتبات العبيد ليكونوا عمال أو هجرة العبيد للشمال كأحرار ليعملوا في المصانع والتجارة، ولأن قضية العبودية لها علاقة بالدين لأن رجال الدين كانوا يقنعون الأثرياء بصحة الاسترقاق دينيا وخطف الناس لاستعبادهم انقسم الشعب الأمريكي دينيا أيضا، في الشمال ثائرين على العبودية لكونها ظلم وعمل شرير من أبناء الله تجاه بعضهم، بينما الجنوب يقبل العبودية من جهة أن الإنجيل لم يدين الاستعباد ولم يلغيه...نفس القصة حدثت عند المسلمين لما أراد الحكام إلغاء الرقيق انتفض بعض رجال الدين وقالوا (هذا حرام)..!!

كانت ولاية "تكساس" ولاية مكسيكية مطلع القرن وقبل الحرب بسنوات كانت جمهورية لم تعترف بها المكسيك، وقد تم ضمها للولايات المتحدة بنظام الاقتراع المحلي على شاكلة ضم القرم لروسيا من أوكرانيا، ولأن المكسيك وقتها كانت ضعيفة عسكريا لم تنجح في استعادتها كما أن أوكرانيا فشلت في استعادة القرم من روسيا لضعفها العسكري، ولك أن تتخيل أن ولاية تكساس هذه مساحتها قد مساحة سوريا والعراق مجتمعة، وأرضها خضراء كلها غابات ولها سواحل وموانئ كثيرة تعني أنها أصبحت (كنز) لأثرياء الجنوب اللي ضاعفوا من ثرواتهم أكثر، وبالتالي كان إلغاء العبودية بالنسبة لوجهاء الجنوب يعني (موت) وضياع حلمهم بالاستفادة من تكساس ، مع العلم إن دخول تكساس ضمن الولايات المتحدة كان مقدمة لحرب بين أمريكا والمكسيك انتهت بضم 5 ولايات مكسيكية لحكومة واشنطن منهم ولاية كاليفورنيا..وهذه قصة كبيرة لا شأن لنا بها حاليا..لكن سنختصر القول بأن أثرياء الجنوب الأمريكي كان يمهم تكساس أكثر لبيئتها الزراعية والبحرية والتجارية، مما يسهل لهم التواصل مع أوروبا شرقا لزوم التجارة وتعويض خسارتهم من رفع الجمارك على بضائع أوروبا من حكومة لينكولن.

وبالتالي نفهم أن قضية تحرير العبودية في أمريكا كان هدفها اقتصاديا أكثر منه ديني وإنساني، وإذا كان العامل الديني والإنساني متداخل فيها لاحقا لكنه لم يكن هو السبب الرئيسي في قيام الحرب

ولك أن تتخيل لولا هذا الدافع البراجماتي الاقتصادي كان حاضرا لأصبح أوباما ومايكل جاكسون وأوبرا وينفي هم (عبيد) إلى الآن، وهذا طرح قديما في فلسفة البراجماتية إن النفعية لا تعني الشر في ذاتها بل تحقيق لمبادئ الخير واختيار الأصلح وفقا للمبدأ العام الذي يحكمها أن (العدل يعني المنفعة العامة) ومن هنا كان تأسيس دستور وثقافة الولايات المتحدة الذين ساعدوها على تسيد العالم سياسيا واقتصاديا وعسكريا..بل وقضائيا باختراع ورعاية نظام (هيئة المحلفين) القضائي الذي يكفل للمواطنين التحقيق كقضاه ممثلين للجمهور كي لا يتسلط قاضي المنصة في الحكم، ودي قصة كبيرة دخلت عشرات الدول لاحقا الفضل فيها للولايات المتحدة كإجراء ضمن سياسات (إصلاح القضاء)

نعود مرة أخرى للحرب: علاوة على دافع إلغاء العبودية والاقتصاد المسببين للحرب كان هناك دوافع أخرى متعلقة بثروات وأدوار الولايات المكسيكية المنضمة حديثا للاتحاد الفيدرالي الأمريكي، وهنا حصلت خناقة تانية بين الجنوب والشمال إضافة لقرارات حكومة لينكولن بإلغاء العبودية في تلك الولايات، لأن وجهة نظر لنيكولن في أنه " لو لم نقدر على إلغاء العبودية في الجنوب فلا نمددها في الولايات المنضمة حديثا للدولة ومنها تكساس وكاليفورنيا بالطبع" وعليه تسبب طمع أثرياء الجنوب في تعقيد المشكلة وقرروا المواجهة عسكريا مع الشمال..

خلافا للشائع ..هذه قصة الحرب الحقيقية، لأن الشائع أن لينكولن هو الذي بدأ الحرب لكي يلغي العبودية لكونها ظلم وضد حقوق الإنسان..و و و و..وهذا غير صحيح في رأيي، لكون فكرة حقوق الإنسان لم تظهر وقتها ولينكولن رغم رفعه شعارات إنسانية لكن هدفه من الحرب كان أكبر من إنهاء ظلم العبيد ، ولمحة بسيطة في العقلية الأمريكية إن الشماليين لن يضحوا بأرواحهم من أجل تحرير غيرهم..هذا غير معروف في ثقافة الرجل الأبيض..الحروب عند الأمريكيين وقتها كانت لمصالح مادية بحتة هي اللي أثرت على فلاسفة القرن 19 في أمريكا وحفزت خيالهم لتصور الفلسفة البراجماتية، أي أن البراجماتية مكانتش اختراع فلسفي لوليم جيمس وجون ديوي..هذه كانت ثقافة غربية تمارس على أرض الواقع منذ عصر الاستعمار وورثتها أمريكا بتوجهها الإمبريالي المعاصر..

أدت الحرب لوقوع (مليون أمريكي ضحية) وتدمير معظم مدن الجنوب، وحقيقة رغم التكلفة البشرية والمادية الهائلة للحرب إلا أنها نقلت الولايات المتحدة جذريا لتصبح أحد القوى الصاعدة دوليا..فمصانع السلاح بدأت تشتغل وانتصار الشماليين أدى لتطوير الصناعة والتجارة أكثر مع التوسع الزراعي في الجنوب والشرق ، ولك أن تعلم بأن نصف مساحة الولايات المتحدة غير صالحة للزراعة وبالتالي كان يتطلب ذلك مشاريع استغلال لهذه الأراضي لو لم تكن للزراعة فاللصناعة والترفيه وخلافه..

أدت الحرب أيضا لإلغاء العبودية في أمريكا وتحول العبيد لأول مرة إلى أحرار يعملون بأجور ثابتة ويملكون منازل ولديهم الفرصة لتكوين ثروات ومنافسة البيض اقتصاديا، وبرغم إن الدافع الاقتصادي كان هو المحرك الأصلي للحرب لكن لينكولن وقتها لم يكن لديه خيار في قبول الحرب لمنع انفصال الجنوبيين، شئ أشبه بالفتنة الكبرى بين معاوية وعلي..لكن هنا انتصار لينكولن كان (أعظم كنز) للبشرية..فحتى لو لم يكن الدافع وراء الحرب إنساني لكن النتيجة كانت إنسانية بحتة بالشروع في تحرير العبيد على مستوى العالم وتكريس حكم القانون والحفاظ على آليات الديمقراطية وتعزيز الحريات الشخصية والعامة..

الحرب الأهلية الأمريكية كانت مصدرا رئيسيا لإلهام مفكري القرن 20 ليتوصلوا إلى مبادئ المساواه وحقوق الإنسان والمواطنة، وربما لو انتصر الجنوبيين على لينكولن لكان العبيد يباعون ويشترون حتى الآن ويخرج شيخ الأزهر والسلفيين بفتوى حاسمة: أن من يطالب بحرية العبيد هو كافر ملعون لن يدخل الجنة ولن يشم ريحها، أما أن المبادرة جاءت من الكفار ولم يكن لهم دخل في هذا الإنجاز وفرضت عليهم الحداثة القول بصحة إلغاء العبودية فبالتالي لا دور مطلقا لمؤسسات الدين الإسلامية سوى في تكريس التخلف والجهل والظلم، وسينتظرون عشرات الأعوام الأخرى ليبدأ الآخرين بالإصلاح ليكفروهم في البداية ثم يقبلوا بإصلاحهم مرغمين..

كيف سقط المسلمين في الأندلس؟

1
لكي تفهم لماذا وكيف سقط المسلمين في الأندلس

باختصار: يجب عليك تقسيم تاريخ المسلمين هناك لأربعة حقب زمنية بالترتيب

الأولى: المملكة الأموية عاشت 300 سنة تقريبا
الثانية: مملكة المرابطين عاشت 60 سنة تقريبا
الثالثة: مملكة الموحدين عاشت 90 سنة تقريبا
الرابعة: مملكة غرناطة عاشت 250 سنة تقريبا

كان بين كل مملكة وأخرى تحدث اضطرابات سياسية وفوضى وحروب أهلية سميت ب (عصر ملوك الطوائف) شبيهة بعصور الاضمحلال في مصر القديمة التي توسطت عصر الدول القوية..

الأمويين كانوا عرب بينما المرابطين والموحدين كانوا (أمازيغ) أما الغرناطيون كانوا خليط من عرب وأمازيغ وسكان محليين..لذلك عاشت ممكلتهم طويلا لأنها كانت ممثلة لمصالح الكل تقريبا..وبالتالي لم تستفز مشاعر الخصم الديني والقومي واللغوي..

أما كيف سقط الحكم الإسلامي هناك فكلمة السر هي (مملكة قشتالة) المسيحية أو "تاج قشتالة" وهو تحالف ديني وسياسي كان يحكم (ثلاثة أرباع) الأندلس من الوسط والشمال

يعني المسلمين والعرب في الحقيقة لم يحكموا كل الأندلس أبدا..أقصى حدودهم وصلت بزحف عسكري لمنطقة "بواتيه" شمال الأندلس وهزموا هزيمة كبيرة وتراجعوا لقرطبة في حدث تاريخي سمي لدينا بمعركة "بلاط الشهداء" وهي المعركة التي توقف فيها زحف المسلمين ناحية فرنسا..ومن بعدها تكونت مملكة قشتالة التي حكمت شمال ووسط الأندلس حتى أسقطوا الحكم الإسلامي لاحقا بعدة قرون..

باختصار: اتحاد مملكتي قشتالة وليون في ما عرف ب "تاج قشتالة" هو الذي أسقط المسلمين، وهو اتحاد مسيحي قوي شمل متطوعين دينيين من سائر أوروبا ظلوا يهددوا الممالك الثلاثة المسلمة الأخيرة حتى أسقطوهم..وبالتالي نفهم أن حروب الممالك الأربعة المسلمة ضد الأندلسيين كانت (دينية طائفية) (إسلام × مسيحية)

ولأن المسيحيين وقتها كانوا كاثوليك متعصبين نظروا للغرباء كمحتلين يشكلون تهديدا لعقائدهم الدينية بدأوا في (محاكم التفتيش) بالتوازي مع حربهم مع مملكة غرناطة، ولما طردوا الغرناطيين المسلمين توحشوا في قمع كل من هو غير مسيحي، وتاريخيا بدأت هجرات يهود الأندلس لفلسطين من هذا التاريخ..

التحوّل بدأ منذ وفاة ملك قشتالة "هنري الرابع" Henry IV of Castile
سنة 1474م تصارع خلفاؤه على الحكم، مما أدى لطمع ملك غرناطة المسلم في أراضي قشتالة، وهي ما تمثل ثلاثة أرباع الأندلس في الوسط والشمال، وشن هجوم عسكري عليها بالفعل سنة 1482 م..لكن القشتاليين توحدوا وصمدوا 10 سنوات إلى أن هزموا غرناطة واستولوا على أراضيها معلنين بدء سياسة طرد المسلمين والعرب انتقاما لغدر ملك غرناطة وطمعه فيهم وهم ضعاف..

وبالتالي سقوط المسلمين في الأندلس ليس لأنهم كانوا عصاه ولا يصلون ولا يصومون كما يشيع ذلك الإسلاميين والجماعات، ولكن لأن ملكهم الأخير كان (طمّاع) ولم يحترم خصوصية قشتالة المسيحية وظن متوهما أن بإمكانه السيطرة على كل أراضي الأندلس..فكان هجوم القشتاليين المرتد الذي أسقط غرناطة وأنهى وجود المسلمين السياسي في جنوب أوروبا الغربية..

يعني باختصار شديد: هي معركة عسكرية بين دولتين أحدهما تمثل آخر ممالك المسلمين وفيها بقايا العرب المكروهين من الشمال والوسط الأندلسي، ومن سائر أوروبا المسيحية، وهزيمتهم كانت طبيعية لأن وقتها أوروبا كلها كانت بتحارب دفاعا عن المسيح والمذهب الكاثوليكي بالخصوص..

تزوير الفنون في صراعات السياسة

1
من نماذج تزوير التاريخ في الدراما العربية

1- مسلسل علي الزيبق سنة 85 وفيه تم تصوير العثمانيين بالخلافة الإسلامية الوطنية المدافعة عن الأوطان بينما تم تصوير الصفويين كمجوس خُدّام النار الذين يريدون غزو العالم لنشر معتقدهم الديني..

2- مسلسل ممالك النار سنة 2019 وفيه تم اختراع طائفة جديدة اسمها "الجهاردية" لم توجد تاريخيا لكن ربطوها بالشيعة الذين يريدون غزو العالم لنشر عقيدة المهدي..

في النموذج الأول ظهر المسلسل في عز الصراع مع إيران في الثمانينات وطبيعي أن يصفوا الشعب الإيراني بالمجوسي وقتها، وملمح التزوير هنا أن معتقد الزرادشتية لا يؤمن أصلا بالجهاد ولا نشر الدين بالسيف..فطوال حكم الإخمينيين والساسانيين 1000 عام ويزيد لم يحرصوا على إجبار الشعوب التي استعمروها على التمجّس..

في النموذج الثاني ظهر المسلسل في عز الصراع مع تركيا وبرغم التوثيق التاريخي الجيد لأحداث غزو مصر لكن وقع في وحل الطائفية عن طريق ربط معتقد سليم الأول بالمهدوية الشيعية، خلافا لما كان عليه في التاريخ الذي حارب فيه جماعة "القزلباش" الشيعية المؤمنة بالمهدي، وأنه لم يكن يهدف غزو مصر لولا تحالف الغوري مع الشاه إسماعيل الصفوي بعد معركة جالديران.

في النموذج الأول كان ملمح التزوير (تعصب قومي) كانت فيه العروبة هي المسيطرة كثقافة قومية أدت لظهور أعمال أخرى على نفس الشاكلة كفيلم "القادسية" لسعاد حسني الذين أعادوا فيه إنتاج معركة القادسية فنيا لإسقاطها نظام كسرى على الخوميني، وعمر بن الخطاب على صدام حسين..(ابتسامة.)

في النموذج الثاني كان ملمح التزوير (تعصب ديني) كان فيه العداء للإسلام السياسي هو المسيطر كثقافة، فتعاملوا مع غزو الأتراك على أنه إسلام سياسي متحالف مع الشيعة المهدوية الذين يمثلون الوجه الآخر للجماعات، وذكر الجهاردية هنا لإثبات علاقة سليم بجماعة الحروفية الشيعية الباطنية، فتم إسقاط العمل على نظاميّ "تركيا وإيران" بصفتهما رعاة لهذا الإسلام السياسي المستهدف اللي هو يحمل عند المؤلف (فكر باطني)..

في الحقيقة لو أردنا تشريح النموذجين نجد أن بينهما تعارض ضمني، ففي الثمانينات لم تكن سمعة الأتراك سيئة وخلافتهم كانت دينية إلهية مُمجّدة في التاريخ، أما الآن فمع حماقات أردوجان وطموحه في الخلافة وكثرة تعظيمه لسلاطين بني عثمان أدى لشيوع عداء مع تاريخ العثمانيين بالمجمل والتفتيش في بلاويهم لتنفير العامة منهم ومن أحفادهم، بينما لو كان أردوجان رئيس طبيعي دبلوماسي غير متخلف بإحياءه سلطات أجداده لما شجع ذلك خصوم تركيا على الانتقام بهذا الشكل..ولتم الاكتفاء بصراعات السياسة الطبيعية..

تحدثت مع زميل عن تزوير مسلسل ممالك النار، قال: أن الجهاردية تصور رمزي لداعش المتحالفة مع أردوجان وأنه مجرد تصوير أدبي فني غير تاريخي، قلت: أن حدوتة ابن العلقمي الشيعي بدأت كذلك وانتهت كحقيقة تاريخية، ونتيجة تزوير العملين واحدة ..مزيد من الطائفية وترسيخ العزلة المعرفية عن الآخر..

مشكلة الجذور في الهوية الإسلامية

0
إذا كان الجذر فاسدا فالطلعُ فاسد..قاعدة حياتية مهمة يؤمن بها الجميع.. لكن حين تطبيقها في الموقف من التراث الديني يخرج الصياح والتكفير متهمين المفكر أنه يبغض ويحقد على السلف الصالح، برغم أن مشاعر البغض والحقد لا مكان لها الآن بعد وفاة هؤلاء ب 1400 سنة، فما الذي يدفع مفكر عاش في عصر الصواريخ والإنترنت والتكنولوجيا وأجهزة التكييف أن يحقد على من كان يعيش في عصر الجِمال والحمير والتطهر من البراز ببضع حصوات..!

هنا كان التحدي بالبحث في أصول الصراع الإسلامي وعلاجه إن أمكن، ليس فقط لعدم استدعائه ومرادفاته في حاضر المسلمين ولكن لفك الاشتباك الطائفي القديم والحديث وفهم التاريخ كما يجب أن يكون وليس كما نريد حسب الهوى والرغبة، فأحداث السقيفة مثلا لا زالت هي الغائب الحاضر عن واقع المسلمين..غابت كليا حين يريدون ترويح وإشاعة مفاهيم السلف الصالح وخيرية القرون الأولى..لكنها حضرت في الحروب والفتن الطائفية الجارية منذ 15 عاما ومن قبلهم في حرب الثمانينات بين العراق وإيران، لاسيما أنه والبحث الصادق المتبرئ من الهوى يصل المسلمون لتصورا تاريخيا معقولا لتلك الفترة التي أعقبت موت الرسول وإصباغ الخلاف بين الصحابة كعادته حينها بلون القبائل والتفاخر بالنسب والأسبقية في الإسلام.

فالمهاجرون مثلا احتجوا بأسبقيتهم في الدين وقربهم عشائريا من الرسول بينما احتج الأنصار بنصرتهم للدعوة في وقت كان فيه النبي في خطر، ولأن الحُجتين بينهما تكافؤ معنوي وأخلاقيّ لكن معايير العرب وقتها رجّحت منطق المهاجرين العشائري وإن لم يظهر كما ينبغي له أن يكون بولاية الهاشميين..إنما بطون أخرى من قريش وقفت خلف الستار العشائري مما صنع أول بذرة للخلاف السني الشيعي طوال 14 قرنا لا زال ساريا يقتل الملايين ويهدد المستقبل بإفناء المسلمين جسدا وعقلا، والمتأمل في فكر وواقع الحضارة المعاصرة يرى زيادة في رقعة الإلحاد واللادينية ليس لأنهما مروقا فقط عن الإسلام ولكن لأنهما يمثلان ثورة على هذا الصراع العشائريّ الغبي.

إن إقرار السلطة في قريش وجعلها أمرا دينيا وفريضة من الله فرغت الإسلام من معناه الإصلاحي إلى مجرد حكومة عشائرية دينية تمثل جوهر الفكر السني والشيعي بالعموم، لذا فما حدث في السقيفة وإقرار قرشية الخلافة بعد ذلك هو الحدث الإسلامي الأبرز والأول في التاريخ ..بما يتضمن في فحواه روح القبيلة والنسب والتعصب المناطقي وفقدان الأهلية..مما رفع من مشاعر الظلم والعدائية والغُبن لا زال المسلمون والعرب تحديدا يدفعون ثمنه إلى الآن، لاسيما أن حادثة مقتل "سعد بن عبادة" زعيم الأنصار والمنافس الأول لأبي بكر لا زالت تمثل لغزا في التاريخ الإسلامي، وكل ما ألغز معناه يفتح مئات الأبواب من التفسيرات المتشددة وغير المنطقية أحيانا، مما يعني أن ترويج وإشاعة حادثة مقتل سعد بهذا الشكل وأن العفاريت هي من قتلته لم يحسم القضية وظلت تحقيقات الجريمة تشهد بواقع مأساوي نخشى أن نعترف به.

كذلك في تحويل تلك السلطة العشائرية إلى دولة بالمنطق العربي السائد وقتها وهو (السيد والعبد أو الآمر والمطيع) فأبي بكر وبرغم افتتاح عهده بكلمة ليبرالية قوية وهي "قد ولّيت عليكم ولست بخيركم" لكن قيامه بحرب مانعي الزكاه وتجاوز صلاحياته كوكيل عن الأمة أحدث فرقا بين المسلمين حين عارضه الصحابي "عمر بن الخطاب" في ذلك، ولا زالت أخطاء تلك الحرب تمثل بقعة سوداء ظلامية من شبابيك التراث التي نخشى من رؤيتها بعين مفتوحة، وهكذا حتى وصلت السلطة العشائرية لبني أمية فاحتكروها لأنفسهم وضاعت قيم العدالة وتمثيل الشعب بصدق مدة 90 عاما حتى انتهت الدولة الأموية بفجيعة وجرائم السفاح.

كانت الدولة الأموية طوال تاريخها ممثلة لأقسى وأجهل أنواع الدول، من ناحية تمددها بالغزوات وتشريع أفعالها بفتاوى السلطان، حتى أن الدواعش عندما يريدون غزو الدول الآن يضعون نموذج الأمويين الأول نبراسا وهاديا لهم بيد أن أكبر توسع عسكري حدث في تاريخ المسلمين كان في عصر تلك الدولة ، وبرغم أن مدة حكمها 90 عاما لكنها استطاعت حكم ثُلث أو نصف العالم حتى بعد اكتشاف الأمريكتين، ناهيك عن إشاعة قيم الجبر والتواكل ونفي الأسباب والإرادة الحرة للإنسان، ساهم ذلك في تجهيل المسلم وإعادة برمجته ليصبح عبدا ذليلا خاضعا للسلطان أيا كان وضعه ، بخلاف الملاحقات التي حدثت لآل البيت واضطهادهم وذبحهم بهدف قطع نسل الهاشميين للأبد، ولنا في كتاب "مقاتل الطالبيين" للأصفهاني معرفة كيف كان الأمويين..وكيف أحدثوا تلك الجرائم البشعة إنسانيا وفكريا في حقبة زمنية حساسة صنعت فكرا إسلاميا معيبا ومشوّها لعدة قرون.

لك أن تعلم أن الأمويين هدموا الكعبة مرتين وعاثوا فسادا في الحرم ضد أنصار "عبدالله بن الزبير" وبرغم ذلك عُدّت فترتهم صالحة قاضية بالعدل وكتاب الله زورا، ولولا البحث والتنقيب من العقلاء في تاريخ هذه الحقبة من كتب المؤرخين نفسهم ما استطعنا الوصول لتلك الحقائق المخفية بفعل فاعل.

حتى فترة "عمر بن الخطاب" والتي أكثر المؤرخون في نقل أخبارها القاضية بعدالة عمر وجرأته في نقد من سبقه وعدم إيمانه بحرفية الكتاب المقدس الأول للمسلمين وإعادة النظر في مفاهيم الحدود والعقوبات ومتع الحج والزواج وسهم المؤلفة قلوبهم وغيرها..شوهت تلك الفترة بمقولة " أخرب الله مصر في عمران المدينة وصلاحها" والمعنى أن مصر حينها لم تكن دولة وشعب محترم في وجهة نظر الخليفة بل عبيد ومصدر للطعام والفئ لإثراء العرب، حتى المصريون لا يتحرجون من ذكر تلك الروايات وعدّها فضيلة لعُمر..ولا حول ولا قوة إلا بالله..!..كذلك لا يتحرجون من ذلك قافلة ابن العاص التي أولها في مصر وآخرها في المدينة كتعبير عن ثراء مصر وقتها بالخيرات والنعم، بينما المدقق في التاريخ سيجد أن هذه الرؤية هي نفس رؤية المستعمِرين الفرس واليونان والرومان والأتراك..إلخ إلى مصر بوصفها بلد النيل والزراعة.

إن فترة فتوحات عمر جرى تلميعها من المؤرخين القدامى والإسلاميين المعاصرين لأسباب تتعلق بفعل وعدالة الصحابي في الفقه، فلم يقولوا مثلا أن مصر والشام كانوا مستعمرات بيزنطية وقتها، ولم يكن حق التجنيد متوفرا لأصحاب الأرض، بالتالي فحرب الغزاة العرب في الشام ومصر كان مع البيزنطيين بوصفهم مستعمرين ولا دخل للسكان بالقصة، بالتالي فإشاعة رضا المصريين والشوام عن الفتح العربي ما هو إلا أكاذيب لفقدانهم حق الاعتراض والقبول من أصله، وهي نفس الدعاية التي تطلقها داعش والإخوان وأمثالهم عن رضا المصريين والشوام بهم ضد الجيشين المصري والسوري، وأن السكان استقبلوهم بالورود ورضوا بحكم الشريعة..نفس الادعاء مع اختلاف الزمن ولو صلح الأوائل لصلح الدواعش والإخوان

فتح مصر بالذات لم يأخذه الإسلاميون ولم ينشروه كما هو مدوّن في الكتب، فالمؤرخون الأوائل كانوا أكثر نزاهة وبرغم نقلهم لأكاذيب عن رضا المصريين بالغزو لكن نقلوا أيضا رفضا وثورات لخصتها الكاتبة "سناء المصري" في موسوعاتها "هوامش الفتح العربي لمصر وحكايات الدخول ورحلة الانصهار" وفيها روايات من فتوح مصر لابن عبدالحكم وغيره لم تعرض وغير قابلة للعرض نظرا لمساسها بالصورة المقدسة للفتح العربي في مخيلة المسلمين، بينما لا زال المسيحيين يتذكرون تلك الحقبة بالسوء، ومنها كتاب "الرواية السريانية في الفتوحات الإسلامية" لتيسير خلف

إن المصلحة العامة لشعوب الشرق الأوسط تقتضي إعادة تعريف أنفسهم من جديد كحل أولي لعلاج مشكلة الجذور هذه التي يعانون منها دون ذنب، فالمصريون ليسوا عَربا كلهم بل تشكلوا كشعب خليط من عدة أعراق قوقازية ويونانية وتركية وعربية وشمال أفريقية، بالتالي فهوية المصريين لم تكن تهتم بهذا الصراع العشائري العربي الإسلامي منذ البداية ، وإلى الآن لم يهتم المصريون سوى بعد اكتساح السلفية الوهابية وإحيائها لقيم العرب القديمة ولعصر الغزوات والجهاد من جديد، ولولا فشل الإخوان في حكم مصر لتم استنساخ نظام الخلافة الأموي العربي في مصر بحذافيره، وبالطبع سيتضرر أول من سيتضررون هم خصوم تلك الخلافة الأولى وهم المسيحيين والشيعة إضافة لأصحاب التوجه الليبرالي والعلماني في الأحزاب، مما سيدفع الإخوان لبرمجة مصر لمذهبهم الوهّابي وإعادة إنتاج غزوات ابن عبدالوهاب ضد العالَم من جديد.

إن المسلم الحالي كي يعالج مشكلة جذوره عليه أن يخلع قداسة تاريخه ويحاكم أصحابه بميزان العدل السائد، لا تبرير أفعال السابقين بثقافة زمانهم..فالتاريخ وبرغم أنه ملئ بالجبابرة والطغاه لكنه يحكي نماذج صالحة وعادلة في المقابل حتى لو كانت أقلية أو استثناءً من المنطق العام، وقد يؤدي هذا العلاج المقدس لعقلنة حكايات الماضي وترك الأساطير المُكبّلة للذهن والتي نسجت خيالا إسلاميا أعور ومشوّه لحد السذاجة وصنعت مسلما مهما كان ناجحا في عملة لكن تقيده بالتراث والماضي يجعله رجلا أبله في نظر العقلاء مُخرّفا ومتشددا فظيعا.

على المسلمين أن يعتذروا عن تاريخهم والإيمان بأن غزوات العرب القدامى لم تكن أفضل حالا من غزوات الهكسوس والمغول..فقط إذا أرداوا عدم إنتاج داعش أخرى، فالقول بجهاد الطلب ونشر الإسلام بالغزو هو جوهر فكرة داعش وشريانها المهم في استقطاب الشباب وخداع بعض العقلاء أحيانا ممن خصعوا لتأثير الماضي ، في المقابل يجري الاعتزاز بالثقافة المحلية ونشرها وإعادة الاعتبار للحضارات القديمة التي تشوّهت بادعاء كفرها وهي التي وصلت لأوج حضارتها في وقت لم يكن فيه بدو العرب لا يعرفون الكتابة ولم نجد أثرا واحدا يحكي أنهم كانوا قُرّاء وكتبة لاسيما أن المنطقة المحيطة بهم كانت تعج بأفضل حضارات البشر وقتها كالمصرية والفينيقية والكوشية والحبشية واليمنية والفارسية والسريانية والرومانية..إلخ، فليس من المنطقي إذن أن نثور على مفاهيم كل تلك الحضارات ونعيد الاعتبار لثقافة البدو العشائرية التي لم تعرف في حياتها منطقا أفضل وأنزه من منطق الغزو والسلب والنهب للأمم الأخرى كحل وحيد للهرب من وحل العيش في الصحراء والبقاء على قيد الحياة.
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

مقدمة في دواعش الفن المصري (5)

 منذ أيام انشغل الوسط الفني والثقافي والشعبي المصري بتصريحات الفنان "يوسف الشريف" التي يقول فيها برفضه القاطع ملامسة أي فنانة أو أ...

موقع الباحث سامح عسكر الرسمي