من وحي مناظرة فرج فودة

0

 استمعت أمس لمناظرة الدكتور فرج فودة في معرض الكتاب عام 1992 ولم تكن أول مرة أستمع لأجزاء منها لكن ما تميزت به مناظرة أمس على قناة وزارة الثقافة على يوتيوب عدة أمور كجودة الصورة والصوت، والأروع أنها جاءت بمبادرة من الدولة ممثلة في وزارة الثقافة، وربما كانت هذه رسالة مباشرة أو غير مباشرة لبعض الأطراف من الدولة بدعم فكرة التنوير أو مبدأ التدافع، خصوصا وأن الطرف الآخر الممثل في الشيوخ والإسلاميين لا يحبذ عرض هذه المناظرات لما فيها من حرية كلام وإلقاء للطرف الآخر دون تكفير وإرهاب نفسي.


وبعيدا عما دار في معظم أحداث المناظرة لكن وقفت على فكرة الإسلاميين من العلمانية ومبدأ فصل الدين عن الدولة عن طريق أهم رموزهم النخبوية في ذلك التوقيت وهم “د محمد عمارة، والمستشار مأمون الهضيبي، والشيخ محمد الغزالي” فالثلاثة جمعهم مبدأ واحد يخلط الدين بالدولة لكن اختلفوا في بعض التفاصيل الذي كشفها د. فرج فودة وأجاد استخدامها في بيان تناقض الجماعات واستحالة إجماعها على رؤية واحدة أو برنامج واحد، وربما هي الفكرة التي دفعت فرج فودة للإصرار على وجود برنامج سياسي للإسلاميين لعلمه المسبق أنه يستحيل على الجماعات أن تتفق على برنامج واحد.

وهنا المدخل الذي رأيته كنقطة ضعف للإسلاميين وخصوم العلمانية بالمجمل، وملخص هذا المدخل أن العلمانية لا تفرض برنامجا واحدا أو مشروعا واحدا أو نموذجا واحدا؛ فقد يستظل العلماني بمظلة الاشتراكية أو الرأسمالية أو الليبرالية أو اليسارية… إلخ، لكن الإسلامي المنتمي للجماعات لا يمكنه التظلل بأي عنوان أو فرقة أو نموذج لقُبح مبدأ الافتراق الاسمي لديه، ولظنه أن الشريعة الإسلامية ستوحد المسلمين تلقائيا لقدسيتها في النفوس.. وهم في ظنونهم تلك لم يناقشوا مسألة التطبيق، ولم يراعوا وجود فارق كبير بين الخيال والواقع في أذهان البشر بمن فيهم هم معشر الإسلاميين والدكتور فرج بما أنه يوقن باعتماد خصومه على الشعارات والعموميات فقد أيقن جازما أن هذا الاعتماد لا يمكنه صياغة برنامج واقعي.

الشيخ محمد الغزالي له كتب في تقبيح الاستبداد ونقد التراث الديني، لكن في الوقت ذاته تدور معظم أعماله في الدعوة إلى الشريعة وإلى تطبيق الدين كمنهج حياة شمولي أشبه بالأنظمة الدكتاتورية، وهي مفارقة لم ينتبه إليها الغزالي الذي لم يناقش كيفية تطبيق شريعته على نحو واقعي يخلو من الاستبداد، ففي حين يطالب بمشروع إسلامي يكافح الاستبداد ويحل محل الشيوعية والليبرالية برأيه؛ هو يثني أيضا في المشروع نفسه على نظام حكم الملك “عبدالعزيز آل سعود” في كتابه “الإسلام والأوضاع الاقتصادية” حيث يصف فيه النظام السعودي بالإسلامي الذي يطبق الشريعة. هنا يحدث التعارض بين دعوته إلى التحرر من الشمولية الاستبدادية وبين ثنائه ودعمه لأنظمة شمولية ملكية مطلقة بدعوى الشريعة.

عوضا على أن الشيخ ذكر مبادئ أساسية للنظام الإسلامي الذي يقصده دون بيان ماهيتها ضمن كتابه “الإسلام والطاقات المعطلة” بدءا من صـ 160 فما يليها، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر “1- الشريعة الإسلامية هي القانون الأساسي للأمة الإسلامية ويجب على كل دولة إسلامية تطبيق مبادئها ، 2- لا مشروعية للسلطة السياسية إن لم تمارس عملها فى نطاق الشريعة الإسلامية وعن طريق الشورى، 3- من يمارس السلطة هو من أهل لها إذا توافرت لديه الشروط الفقهية المعروفة، 4- يجب أن تمارس جميع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وفقا للمبادئ والقيم التي شرعها الله ورسوله، 5- كل مسئول في الدولة خاضع لأحكام الشريعة الإسلامية فى جميع تصرفاته العامة والخاصة” انتهى. ويظهر من كلام الشيخ الغزالي أن شريعته التي يتصورها لا تؤمن بمشاركة غير المسلمين، وأن الدولة ستراقب التصرفات الخاصة للمسؤولين، وأن من يمارس السلطة لابد أن يكون فقيها؛ وبالتالي يتأكد أن مشروع الشيخ الإسلامي هو دكتاتوري أقرب لولاية الفقيه يدقق في تصرفات الناس الفردية ولا يحترم حريتهم الخاصة، خلافا لرؤيته الناقدة للاستبداد ضمن كتابه “الإسلام والاستبداد السياسي”.

عوضا على أن كافة مناظري الدكتور فرج لم يطرحوا ماهية واحدة للشرع الذي يقصدونه، وهل نموذجهم الأسمى في الحكم مختلف عن الذي طبق في السعودية وإيران والسودان..إلخ أم هو نموذج جديد أكثر حداثة؟ فلو كان جديدا يتسم بالحداثة فهل يعلم هؤلاء أن الحداثة تفرض عليهم مبدأ المشاركة لا المغالبة؟ هل يعلمون أن الديمقراطية تفرض عليهم عدم تغيير طابع وهوية الدولة بحجة الأغلبية؟ هل يعلمون أن الحداثة ترفض الإطلاقية في الفكر وتؤمن فقط بنسبية الأفكار مما يعني أن دينهم وأيدلوجيتهم لا يمكنهم من خلالها الحديث باسم السماء؟ وهل يعلمون أن الحداثة تفرض عليهم الاستدلال على آرائهم ورؤيتهم بأدلة لا بمجرد الادعاء؟

لا أنتظر الإجابة ليقيني أن الإسلاميين لا يؤمنون بالعقل ولا بدوره في صياغة حقائق عالم ما بعد الحداثة، فالعقل وحده هو الذي يفكك الدوجما البشرية الناتجة من كثرة الشعارات والخطابات التي رأيناها في مناظرة معرض الكتاب، وهو الوسيلة الأسمى والوحيدة في صياغة دستور عادل يجمع الشعب على أسس اجتماعية واضحة كما رأينا في الدستورين الأمريكي والفرنسي، ولعلمي أيضا أن النموذج العلماني العربي الآن في بعض جزئياته عنيف لا يؤمن بالحوار مع الإسلاميين ولا جدواه كرد فعل على طغيان الأزهر ودور الإفتاء والجماعات ورموزهم الدينية في المجتمع.

فعلمانية أوروبا مثلا في القرنين 18 و19 يمكن أن تكون قد بدأت بشكل عنيف نوعا ما ردا على طغيان الكنيسة وعنفها ضد الآخر، ثم تهذبت العلمانية شيئا فشيئا حتى وصلت في القرن 20 بشكل حقوقي يؤمن بوجود رجل الدين وحقه في ممارسة السياسة وفقا لنظام علماني؛ وهنا تتجلى السمة الأبرز للعلمانية أنها تتميز بالمرونة شكلا وموضوعا. فمن ناحية الشكل يمكن للعلماني أن يتعايش مع غيره بل وخصومه في ظل نظام حقوقي، ومن ناحية الموضوع العلمانية انبثقت لاحقا وخصوصا بعد الميثاق العالمي لحقوق الإنسان بعد الحروب العالمية إلى شكل أشبه بالمبدأ الحقوقي في العدالة الاجتماعية والسياسية ضمن بندين هما أشهر من يُروّجا الآن كقيم ديمقراطية وهما “المواطنة وحقوق الإنسان”

وبالتالي فكرة العلمانية المضادة للدين أو الكارهة للتدين في أذهان الشيوخ لم تعد موجودة في الحقيقة سوى عند بعض الناقدين للأديان أو العابرين في العقائد وهؤلاء ما زالوا يعملون في إطار نخبوي ضيق بعيدا عن مناطق النفوذ أو المسؤولية في الدول، أستثني بعض الأنظمة السياسية – كالهند والولايات المتحدة – الذين صعد فيهما تيار يميني متطرف يجمع بين أصول الدين التراثي وبين المحافظة الشعبية مما أدى لشيوع مد قومي كاره لما هو غير مسيحي وهندوسي في كلا البلدين. ورأيي أن هذا الاستثناء عارض وطبيعي ضمن سياق تاريخي كرد فعل على ظهور الجماعات الإسلامية العنيفة ونشاطها في الغرب وآسيا، وأتذكر أنني تنبأت بمصير سيئ لشعوب إسلامية بريئة في حال شيوع ودعم المسلحين في سوريا والعراق ودعمهم بالمال والسلاح والإعلام، وأن هذا الدعم سيوجه في حقيقته لصدر كل مسلم يصبح معها مهددا في بلاد هو أقلية فيها.

إن ما ركز عليه فرج فودة لم يكن فقط تبيان خطر الجماعات أو زيف ما يسمى بـ”الحكم الإسلامي” ولكن أيضا كان يهتم بكشف خطورة استخدام الدين من قِبَل السلطة في إشارة إلى ربما أنه كان يقصد نظام الرئيس السادات، فالنظام العلماني كما أنه يرفض حكم رجال الدين هو أيضا يرفض توظيفهم لصالح الحكام، وهذه النقطة في أجزاء كبيرة منها لصالح الإسلاميين لو كانوا يعقلون؛ فالحكومة التي تستبد بالسلطة وتجيد توظيف رجال الدين لصالحها يسهل عليها التصدي للجماعات وتقديم نفسها كحكومة مؤمنة مثلما قدّم الرئيس عبدالناصر نفسه في مشاريع التصدي للعري في قانون الصحافة أو تطوير الأزهر وغيرها من خطاباته التي كان يعلن فيها تبجيله للشريعة الإسلامية وأنه فقط يرفض تطبيقها على يد الإخوان.

ولعل ما سبق كان يفسر لماذا رفضت أنظمة عبدالناصر والسادات ومبارك إعلان نفسها كنظم علمانية لأنها في الحقيقة كانت ترى أن العلمانية مبدأ يقابل الإسلام وأنه لا بديل للشريعة، حتى انتشر في زمانهم مصطلح “مدنية الدولة” وهو تعبير مخادع لا يملك الجرأة على الاعتراف بكلا الأمرين (الدولة العلمانية والدولة الدينية)، حتى في مناظرات الدكتور فرج فودة نجده يستخدم تعبير مدنية الدولة لكنه لا يستخدم العلمانية نظرا لرفض هذا المصطلح شعبيا وفي الإعلام ومن قبل المسؤولين، وعندما وصل الإخوان إلى فكرة ضرورة التنازل عن مصطلح (الدولة الدينية) لقبحه النخبوي، وسوء تطبيقه التاريخي، وصلوا إلى نقطة مشتركة مع أنصار مدنية الدولة بمفهوم جديد مخادع أيضا وهو “دولة مدنية بمرجعية إسلامية”

وعند البحث في هذا المفهوم الإخواني الجديد نجده يتفق في المضمون مع الدولة الدينية، وأن ما يسميها الإخوان بلجنة كبار الحكماء أو العلماء هي جماعة الحل والعقد التي صيغت في مصنفات الوهابيين وابن تيمية، وأن تلك الجماعة الحاكمة تملك صلاحيات مطلقة في تسيير شؤون الدولة بما فيها إقرار مواد الحسبة وفقا للمبادئ التي أعلنها الشيخ الغزالي في كتابه “الإسلام والطاقات المعطلة” أي أننا في الحقيقة كنا أمام أكبر عملية خداع إستراتيجي إخواني منذ نشأتهم في العشرينات، فالتنظيم منذ أن رأى النور وهو يطالب بالشريعة الإسلامية المصاغة في كتب الأقدمين ولم يجتهد في بيان ماهيتها سوى بعد تعرضه لهجوم ونقد لاذع من النخبة العلمانية في السبعينات، وأن التنازل الذي أحدثوه في مشروعهم الشهير بـ”المرجعية الإسلامية” لم يكن سوى مجرد مناورة لإمساك الحكم ثم القضاء نهائيا على كل مظاهر مدنية الدولة وحداثتها والعودة فورا لما آل عليه الأفغان.

حقيقة لقاء ابن تيمية بسلطان التتار محمود غازان

0

 في كتاب ابن تيمية مجموع الفتاوى ساق الرجل هذه القصة الغريبة له مع ملك التتار "محمود غازان" المتوفي عام 703 هـ في سياق إثبات بطولته الشخصية، وملخصها أنه اجتمع بالملك سنة 699 هـ لينصحه ويأمره بالحسنى وإطلاق أسرى المسلمين واليهود والمسيحيين، وقبل الدخول في تفاصيل وشرح وانتقاد القصة أطرحها لحضراتكم كما وردت في مجموع الفتاوى:


" ولما قدم مقدم المغول غازان وأتباعه إلى دمشق وكان قد انتسب إلى الإسلام؛ لكن لم يرض الله ورسوله والمؤمنون بما فعلوه؛ حيث لم يلتزموا دين الله وقد اجتمعت به وبأمرائه وجرى لي معهم فصول يطول شرحها؛ لا بد أن تكون قد بلغت الملك؛ فأذله الله وجنوده لنا حتى بقينا نضربهم بأيدينا ونصرخ فيهم بأصواتنا.. وكنت حاضرا لما جاءت رسلكم إلى ناحية الساحل وأخبرني التتار بالأمر الذي أراد صاحب سيس أن يدخل بينكم وبينه فيه حيث مناكم بالغرور وكان التتار من أعظم الناس شتيمة لصاحب سيس وإهانة له؛ ومع هذا فإنا كنا نعامل أهل ملتكم بالإحسان إليهم والذب عنهم. وقد عرف النصارى كلهم أني لما خاطبت التتار في إطلاق الأسرى وأطلقهم غازان وقطلو شاه وخاطبت مولاي فيهم فسمح بإطلاق المسلمين. قال لي: لكن معنا نصارى أخذناهم من القدس فهؤلاء لا يطلقون. فقلت له: بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا؛ فإنا نفتكهم ولا ندع أسيرا لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة وأطلقنا من النصارى من شاء الله. فهذا عملنا وإحساننا والجزاء على الله. وكذلك السبي الذي بأيدينا من النصارى يعلم كل أحد إحساننا ورحمتنا ورأفتنا بهم" (مجموع الفتاوى 28/ 618)

وبعد أن انتهينا من عرض القصة

هذه أربعة ملاحظات

أولا: لا يوجد مصدرمعاصر للقصة سوى ابن تيمية والإمام الذهبي، هنا ذكرت من صاحب الشأن أما الذهبي فلم يعرفها

ثانيا: عن طريق ابن كثير انتشرت القصة لاحقا وفيها كل الإضافات والبطولات التي لم يذكرها ابن تيمية نفسه، وهذا يعني إن الحج ابن كثير كان خياله واسعا في تصوير وتعظيم أستاذه، علما بأن ابن كثير لم يحضر الوقعة بل ولد بعدها بعامين، الواقعة كانت سنة 699 هـ، وميلاد ابن كثير سنة 701 هـ..

ثانيا: السلطان محمود غازان كان شيعيا على مذهب الإمامية فكيف يقبل بوساطة رجل تكفيري للشيعة كابن تيمية؟..ومن يقول أن غازان كان سنيا أو أسلم على يد إمام سني فهو أسلم على يد الشيخ "إبراهيم بن المؤيد ابن حمّويه الجويني" المذكور في طبقات الشيعة وأعيانهم ل "محسن الأمين العاملي" وهو تلميذ الإمام "نصير الدين الطوسي" أحد أشهر علماء الإمامية، وفي سلوك السلطان غازان ما يدل على أنه كان شيعيا ففي كتاب "الحوادث الجامعة والتجارب النافعة" لكمال الدين ابن الفوطي ذكر في أحداث سنة 798 هـ ما يلي: "ثم توجه - أي السلطان - إلى الحلة وقصد زيارة المشاهد الشريفة وأمر للعلويين والمقيمين بها بمال كثير" صـ 234

غير الدولة الجلائرية الشيعية التي أسست على يد أبناء أخت السلطان غازان الشيخ "حسن الجلائري" يعني ابن تيمية وقتها كان محاصرا بدول شيعية ونفوذ لمجتمع شيعي من كل اتجاه ذلك التوقيت فكيف يملك الجرأة على البطولة السياسية أمام سلطان مغولي ماعندوش ياما ارحميني..!!..ما بالك وأن هذا المغولي رافضي زنديق يستتاب وإلا قتل..!

ثالثا: كان الإمام شمس الدين الذهبي تـ 748 هـ معاصرا لابن تيمية وشهد وقعة الوساطة لكنه لم يذكر أن ابن تيمية حضرها، قال في كتابه "العبر في خبر من غبر"..: "فاجتمع أكابر البلد وساروا إلى خدمة غازان، فرأى لهم ذلك وفرح بهم وقال: نحن قد بعثنا الفرمان بالأمان قبل أن تأتوا، ثم انتشرت جيوش التتار طولًا وعرضًا وذهب للناس من الأهل والمال والمواشي ما لا يحصى،وحمى الله دمشق من النهب والسبي والقتل ولله الحمد (3/394) ويظهر من كلام الذهبي أن السلطان المغولي غازان كان قد أمر بالعفو قبل أن يأتي الوفد إليه، مما يعني أن القصة والحوار اللي ساقهم ابن تيمية في مجموع فتاواه كانت مكذوبة..!

رابعا: الإمام شمس الدين الذهبي يُكذّب ابن تيمية للمرة الثانية بعد أن شهد بحُسن إسلام غازان وليس على النحو الذي عرضه ابن تيمية أنه لم يلتزم دين الله مما استدعى نصيحته، قال الذهبي " دخل الإسلام قازان بْنُ أرغون بن هولاكو ملك التتار..واسمه بالعربيّ محمود.. وجلس مجلسا عامّا فتلفظ بشهادة الحقّ وهو يبتسم ووجهه يستنير ويتهلل..وفشا الإسلام في جيشه بحصر نوروز فإنّه كان مسلما خيرا صحيح الإسلام، يحفظ كثيرا من القرآن والرقائق والأذكار"..(تاريخ الإسلام للذهبي 52/38) وفي موضع آخر من الكتاب شهد بحُسن سلوك الملك قازان قال : "سار غازان إلى بغداد وجهز عسكرا إلى البطائح، فأوقعوا بحراميّة الأعراب بالبطائح، وقتلوا منهم خلقا وأحسن إلى الرّعية"..(52/62)

وملخص كلام الذهبي في النقطتين السابقتين أنه لم يعرف حضور ابن تيمية لمجلس الوساطة، وأن سلوك الملك المغولي كان حسن الأخلاق ملتزم بشريعة الإسلام ليس كما صوره ابن تيمية على إنه مرتد لا يلتزم شريعة الإسلام، وشهادة الذهبي بعدم حضور ابن تيمية مجلس الوساطة دونها المؤرخ "عفيف الدين اليافعي" المعاصر أيضا لابن تيمية في كتابه "مرآة الجنان" (4/ 172)

ملخص الكلام: إن القصة مشهورة في كتب التراث السني لكن لم يعرفها الذهبي الذي عاصر الواقعة نفسها وكان يعيش في دمشق..أي كان شاهدا للعيان في قلب الحدث، وهذا يعني أمر من اثنين، إما الذهبي كان يكره ابن تيمية لذلك لم يذكر بطولاته وإنجازاته..وإما ابن تيمية كان يكرر مشهد فيلم " محروس بتاع الوزير" للنجم عادل إمام عندما اجتمع أنصاره وظل يكذب عليهم..!!

وفي الحقيقة لم أفهم سلوك ابن كثير - محور نشر القصة وتعظيمها - سوى أنها كوبي باست من ابن تيمية في شبابه ولسبق تعظيم الرجل له وإضافة حواشي لم يذكرها ابن تيمية نفسه كقيادته للجيش ومروره على العساكر يحثهم على الجهاد، ومن مبالغات ابن كثير هذه الألفاظ "وكلمه الشيخ تقي الدين – أي السلطان - كلاما قويا شديدا فيهم مصلحة عظيمة عاد نفعها على المسلمين ولله الحمد" (البداية والنهاية 14/9) وهي بخلاف ما ذكره الذهبي- الذي حضر الواقعة – أن السلطات المغولي كان مقررا العفو قبل مجئ الوفد، ولكون الشهادة غير مقبولة منطقيا لتشيع السلطان غازان وعدم إمكانية نصح السلاطين بهذه الطريقة في ذلك العصر.

كذلك من مبالغات ابن كثير تصويره لابن تيمية كقائد جيش ومَلك حين قال : "فإن الشيخ تقي الدين بن تيمية أرسل إلى نائب القلعة يقول له ذلك، لو لم يبق فيها إلا حجر واحد فلا تسلمهم ذلك إن استطعت، وكان في ذلك مصلحة عظيمة لأهل الشام فإن الله حفظ لهم هذا الحصن والمعقل الذي جعله الله حرزا لأهل الشام التي لا تزال دار إيمان وسنة، حتى ينزل بها عيسى ابن مريم"..(البداية والنهاية 14/ 10) وفي النص اعتراف بأن نائب القلعة قد استجاب لابن تيمية مما يعني أن ابن تيمية لم يكن مجرد فقيه وقتها أو من الأعيان بل ملك يأمر فيُطاع..!!

من أولى بالمحاكمة الأزهر أم الممثل أحمد الرافعي؟

0

 خرج علينا أحد ممثلي مصر ممثل يطالب ضمنيا بقتل الدكتور القمني وعبده ماهر وإسلام بحيري وغيرهم لمجرد خلافه معهم في المذهب الديني..فضلا عن استخدامه ألفاظ سوقية في التشفي بمقتل الشهيد فرج فودة شهيد القلم الذي اغتاله التكفيريون عام 1992


هذا الممثل إسمه (أحمد الرافعي) ويقوم بدور أحد زعماء الجهاد في مسلسل الاختيار، وهي مفارقة عجيبة لم تكتشف سوى منذ يومين، بعد أن أدى الدور ببراعة وتبين أن هذه مشاعره الحقيقة ضد المختلفين معه في الرأي..

وبتلك المناسبة أتذكر بعض الفنانين قولهم بأن الفنان العظيم "حمدي غيث" كان شديدا وعنيفا في الواقع، والفنان "نور الدمرداش" كان مكروها في الواقع أيضا لاضطراب في شخصيته، وكلا الممثلين تجدهم في أعمالهم الفنية نفس الصورة المنعكسة في الداخل، ازدواجية لم تجد لها صدى من المناقشة، لأن يفترض عدم محاسبة الفنان على دوره بل تكريمه كلما أبدع في تشخيص الدور وبنفس المقياس يجب أن نكرم "أحمد الرافعي" أيضا.

هنا الإشكالية: كيف نكرم هذا الممثل ولديه أفكار داعشية وقلبه ملئ بالبغض والكراهية وتمنى الأذى ويمارس السب والشتم؟..ألن يؤثر ذلك على الأجيال بالسلب ونكون قد وقعنا في فخ صناعة رموز إرهابية سابقة كوجدي غنيم؟.فالأساس أن الممثل هو قدوة في الأخلاق ويفصل بين قناعاته الشخصية وقراراته في العلن، ويبدو أن الرافعي لم ينتبه لهذا الفخ فتصيد له خصومه بوستات قديمة على صفحته كشفت عن شخصيته الحقيقية الأقرب للدواعش وتنظيمات الإرهاب..

لا أقول بضرورة محاسبة هذا الممثل..أو رفع قضايا ضده في المحاكم لتحريضه على قتل رموز مصرية، فأصحاب الشأن لدي ثقة أنهم لن يتأخروا في ذلك، ولكن أطالب بشئ واحد (طهّروا الفن من دواعش الفكر) فالحرب على الإرهاب ليست فقط أمنية..بل فكرية في المقام الأول، ولعل إرهابيا كان يتابع هذا الممثل واقتنع بأفكاره وكلامه البذئ فانعكس عليه بتكفير وتطرف أدى لحمل السلاح في مرحلة تالية..

وأضيف أن كل من له موقف تكفيري من "فرج فودة" أو يستحل قتله أو يراه غير مؤمنا هو لديه (موقف تكفيري من الدولة المصرية) لاسيما أن دستور مصر في معظمه علماني لا يحكم شريعة الفقهاء ومتناغم في خطوطه العليا مع أفكاره، وهذه كانت نقطة قوة فودة ضد الجماعات، الدولة تحميكم وتسمح لكم بحرية الرأي، إنما شريعتكم لا تسمح، الدولة تحترم عقائد الناس..أنتم في شريعتكم لا تسمحون..

كاريمان حمزة في كتابها "لله يازمري" صـ 8 كان لها نفس الموقف من فودة والدولة ، فهي تراه (محاربا للإسلام) كما ترى الدولة بالضبط قالت في الكتاب "صدرت التوجيهات إلى أولى الأمر فى الإعلام بتكوين لجنة لبحث هذا المخطط ، يكون فرج فودة عضوا فيها . . ومنذ ذلك التاريخ ، غدا مخطط فرج فوده - تجفيف منابع التدين - دستورا لموقف الإعلام والثقافة والتعليم من الإسلام "..

لاحظ ألفاظ كاريمان (موقف كذا وكذا من الإسلام)

يعني وضعت مؤسسات الدولة في كفة..والدين الإسلامي في كفة، برغم أنها في ذلك التوقيت كانت نجمة إعلام مشهورة ومقدمة برامج من أشهر برامج الدين في الوطن العربي، وعلى يدها اعتزلت عشرات الممثلات بجهد ونشاط الشيخين الشعراوي والغزالي..وكل ذلك بدعم الدولة...!!..غريب..!!

الممثل أحمد الرافعي يكذب حين يقول أنه ينتمي للأزهر، فهو ينتمي ضمنيا للجبهة التي كفرت فودة وحكمت بضرورة قتله كالشيخ الغزالي ومزروعة وغيرهم، لأن الأزهر يضم قامات تنويرية عظيمة كالدكتور الهلالي والعديد من الأئمة وخطباء المنابر الذين يحملون برنامج الشيخ شلتوت وأمين الخولي وغيرهم..لكنهم لا يحكمون سياسات الأزهر العامة الآن لضعف شوكتهم أمام موجة (أخونة الأزهر) التي زادت في عصر الشيخ أحمد الطيب....

الرافعي له موقف تكفيري ضد الدولة نفسها ويمكنه أن يحمل السلاح في أقرب فرصة كما فعلها فضل شاكر في لبنان، وقد استمعت لمداخلته مع الديهي ويمكن وصف مداخلته بوصف واحد أنها (قذرة) لا يمكن أن تصدر من إنسان سوي، لا من فنان يفترض أنه يقدم رسالة إعلامية للأجيال والأطفال والشباب..

الرجل جاهل بأبجديات الدين والفكر ويردد فقط فتاوى وأفكار شيوخ تكفيريين بعضهم لا زال حيا يفتي في الإعلام تحت سمع وبصر الدولة، ومن تلك الناحية لا عتب عليه قبل أن نعتب على شيوخه فما يحدث هو أن الممثل كان صريحا فقط مع نفسه وامتلك الشجاعة في التعبير عن فكره الحقيقي وألفاظه التي لا تختلف عن أساليب التكفريين ومجرمي الجماعات..

مشكلة الدكتور فرج مع أمثال الرافعي أنه كتب رائعته "قبل السقوط" ما بين انتخابات 84 و 87 في مصر بعد ما لاحظ زيادة نفوذ الإسلاميين في الشارع والسياسة، لقد شعروا أن الكتاب موجه ضدهم كأحزاب وليس كأفكار فتناولوا الدكتور بصورة شخصية، وكتاب قبل السقوط كان مناقشة لتاريخ المسلمين وكشفه على حقيقته على أنه (غير مشرف) بينما يعتمد عليه الإسلاميين في شعاراتهم على أنه (مشرف) يعني تدليس وزيف ضللوا به الناس، وبدلا من الرد على أدلته شخصنوا القصة فيه ثم بدأ الاغتيال المعنوي وحرب الأفكار حتى حدث الاغتيال.

الصورة التي رأى بها الإسلاميون وبعض شيوخ الأزهر الدكتور فرج بعد كتابه "قبل السقوط" هي التي يتصورها الرافعي الآن، فهو مشحون سياسيا ضد الرجل من غير وعي بأفكاره أو حتى فهم دوافع من ضللوه ومن استقى عنهم هذا الفكر، نفس مصيبة من قتل فرج فودة..قتلته لماذا؟..لأنه مرتد..ماذا قرأت له لتعلم أنه مرتد؟..أنا لا أقرأ..!!!

ومن علاماته تطرفه استخدام كلمة حداثيين بالتقبيح ويرددها على منبر الدولة الإعلامي وكأن الحداثة التي يعيشها العالم منذ 200 عام والتي أنتجت الحضارة المعاصرة هي شئ قبيح بينما شريعة الفقهاء هي المشرفة والنظيفة..!..نفس الازدواجية المشحون بها الإرهابي ونفس المفردات التي يستعملها بينما لا يسمح للرأي الآخر بالرد..!

لكن نرجع ونقول أن الدولة مسئولة عن تلك المهزلة، فهي لم ترد اعتبار الشيخ علي عبدالرازق الذي أنكر خلافة الإخوان في العشرينات قبل أن تظهر وتم فصله بمباركة الدولة، ولم ترد اعتبار فرج فودة ولا نصر حامد أبو زيد الذي تم التفريق بينه وبين زوجته لنقده أفكار العنف والتخلف، لم ترد اعتبار طه حسين حين جرى تكفيره بسبب كتاب "في الشعر الجاهلي" ولا اعتبارد لويس عوض بعد مصادرة كتابه" في فقه اللغة العربية" ولا اعتبار نجيب محفوظ بعد مصادرة روايته "أولاد حارتنا"

ما زلنا نخدم الجماعات بتصرفاتنا، فإذا خرج الرافعي يستند على هذا التصرف من الدولة والأزهر فهو يطمئن أن الدولة ستحميه..والإشكال أن يتناول ذلك مذيع يجهل أبجديات الفكر فيضطر لموافقة هذا التكفيري أحيانا لدرء التناقض، ولو تتذكروا عندما قلت أن أي مواجهة بين داعشي واضح وبين شيخ غامض سيربح الداعشي، هنا ربح الممثل لوضوحه، وهي نفس المشكلة التي واجهتها دراميا في روايتي (نهاية الشك)

الدكتور محمود حماية أحد أشهر علماء الأزهر في ذلك الوقت قال هذا الكلام لمجلة البيان بعد مقتل فودة ، أرجو التدقيق في كلماته ومحاولة إيجاد فارق بينها وبين معتقد أي جهادي، قال:

"نشأت (ندوة العلماء) عام 1992 م ؛ وسبب نشأتها الحملات الضاربة على الإسلام من العلمانيين وفي مقدمتهم الكاتب العلماني الهالك (فرج فودة) أمام هذا الهجوم والاستفزاز كان لا بد أن نفعل شيئاً لديننا وعقيدتنا ، وألهمني الله - سبحانه - فكرة تكوين هيئة علمية من علماء الأزهر تقوم بالتصدي لهجمات العلمانيين والدفاع عن الإسلام"

"وعقدت اجتماعاً في منزلي بمن لمست فيهم غيرة على الحق واستعداداً للدفاع عن الإسلام وكان في مقدمتهم فضيلة الدكتور عبد الغفار عزيز عميد كلية الدعوة الإسلامية الأسبق بجامعة الأزهر ، والدكتور محمدالبري ، والدكتور حلمي صابر ، واتفق الحاضرون على أن نسمي هذه الهيئة العلمية (ندوة العلماء) وأن يكون رئيسها الدكتور عبد الغفار عزيز وأمينها العام ضيفكم اليوم واستطاعت (الندوة) - بفضل الله سبحانه - أن تتصدى بقوة لرؤوس العلمانيين ، وأن تقوم بدور فعال في الدفاع عن الإسلام والذود عن حياضه" (مجلة البيان 32/ 139)

لاحظ مفردات الشيخ التكفيرية واعتقاده أنه في معركة حربية ضد مشركين..ولاحظ الأسماء غير التي أعلنت في قاعة المحكمة وفي نفس الصفحة قال أن شيخ الأزهر وقتها جاد الحق على جاد الحق كان راضيا عن ما يحدث، ومقولة الشيخ الغزالي في كتابه الحق المر " رأيى فى الدكتور فرج فودة أنه صورة عربية للعقيد "جون جارانج " الزنجى الذى يحارب الإسلام فى السودان" (4/215)....أن هناك شبه إجماع في قيادات الأزهر على أن قتل فودة كان ضروريا لكفره والتخلص منه سيكون من صميم الدين..وعليه إذا طالبنا الاعتذار فمن الأزهر نفسه أن يكفر عن غلطته قبل أن نطالب ذلك الممثل، فهو شخص ضعيف بمفرده ولم يجد حائط يستند عليه في تكفيره للناس سوى الأزهر..!

باختصار: إذا أردتم حل مشكلة الإرهاب فيجب أن نبدأ بتحرير موقف الأزهر من الدولة ومن الدستور وقوانينه وتعاليمه، وأول تلك الملفات التي يجب تحريرها هي الحداثة بمفهومها العلمي والفلسفي والعقلي، فلو امتلك الأزهر الجرأة على الدخول فيها ستكون مقدمة على سلسلة تغيرات في عقول الأئمة والفقهاء أن يكفوا عن تصدير صور الكفر والطغيان على علامات التحضر والفكر، مثلما فعل هذا الفنان المراهق وهو يعتقد أنه يخدم الدين، فليس من اللائق أن يعتقد الأزهر بأن الحديث يمثل 3/4 الدين ونطلب من البعض أن يصدق إيمان نقد تلك النسبة، فورا سيصبح نقد أي حديث في الصحاح هو كفر بحياله..وما يحدث لاحقا من موازنات وهروب كما هرب ذلك الممثل هو لمصالح شخصية مؤقتة..لكن جوهر الكارثة لم تُحَلّ..

العالم بعد كورونا

0
عندما نقول أن العالم بعد كورونا سيختلف ليس معناه أنه في خلال سنة أو اثنين سيتغير كل شئ بالفانوس السحري ، ولكن لأن كورونا عنصر مساعد (أضعف الثقة) في النظام العالمي الحالي

ضعف الثقة بالنظام الدولي حدث منذ انتفاضة 1968 بفرنسا، والنتيجة أن خرجت فرنسا رسميا من عالم الرأسمالية الحر وقمع اليسار إلى عالم متوازن بين اليمين واليسار هو الذي يحكم فرنسا الآن، ولمن لا يعلم ما هي انتفاضة 68 بفرنسا فهي أشهر محاولة أوروبية لتغيير العالم الرأسمالي والثورة ضد الليبرالية القديمة، بعدها توالت الأحداث التي لم تكن في صالح العالم الرأسمالي (ماديا وأخلاقيا) من حرب 73 وانسحاب إسرائيل ثم هزيمة أمريكا في فيتنام ثم نجاح ثورة إيران ضد الشاه وصعود قوى شيعية بلمحة اليسار في لبنان واليمن، في المقابل منذ سقوط شاوشيسكو في رومانيا بدأت الكفة تنسحب من المنتصرين الشيوعيين حتى انهار الاتحاد السوفيتي ومعظم الأنظمة الشيوعية بالعالم مطلع التسعينات.

هنا تم التسليم بنظام دولي جديد يتشكل غير قائم على رأسمالية محضة كما تم تعريفها بالكتب، بل جمعت بين مبادئ اليمين واليسار وأخذت من الفكر الشيوعي والليبرالي لتظهر ما تسمى ب "الليبرالية الاجتماعية" وهي التي سادت العالم أوائل القرن 20 وصنعت ثورات شعبية ضد حكم رجال الدين والأغنياء والبرجوازيين، أي أن العالم الآن يحمل بصمات العالم منذ 100 عام في موقفه من (العدالة الاجتماعية) حتى أمريكا وأشهر قوانينها الذي يتنافس مرشحيها في تطبيقها قانون (التأمين الصحي) وهو منتج يساري اشتراكي من بقايا الفكر الشيوعي وعصر التأميم..

يعني باختصار: العالم الآن ليس رأسماليا ولا شيوعيا ولا ليبراليا أو يساريا، بل هو خليط متنوع من كل ذلك..والذي يحاول إثبات نفسه بقوة السلاح والمال هم دعاة "النيوليبرالية" فقط أي متطرفي الرأسمالية أمثال ترامب وملوك البنك الدولي وعائلات الإقطاع المتبقية منذ عصر الممالك

كورونا يقضي الآن بل يطلق رصاصة الرحمة على النيوليبرالية وكل مظاهرها من الاقتصاد الريعي – كالخليج – لاقتصاد الدولار والدين ويفك تحالفات (المال والسلطة) في أكثر من دولة، ويعيد مشاعر الوحدة والعدالة الاجتماعية من قاعدة الهرم الشعبي كما كان عليه الإنسان في بداية القرن العشرين، والذي أدى لانتفاضات يسارية وعلمانية ضد كل ما هو راديكالي ديني وإقطاعي كالثورة البلشفية الروسية 1917م والثورة الأسبانية عام 1936 م والثورتين الصينية والمكسيكية عام 1911 م والثورة الألمانية 1918 م..إضافة لحركة أتاتورك..وغيرها، جميعها ثورات شيوعية أطاحت إما بملكية رأسمالية أو أنظمة دينية كانت حليفة لها، وهذا يفسر كيف أن النظام الديني السلطوي هو رأسمالي بطبيعته بينما الأنظمة العسكرية تميل لليسار الشمولي خصوصا لو جاءت بثورة شعبية..

بل أن ثورة 1919 م في مصر كانت بها لمحات لانتفاضة على رأس المال الإنجليزي ودوره في استغلال الفلاح المصري، رغم إن ثورة 19 ليها أسباب تانية كإجبار بريطانيا الشعب المصري على الحرب في جيشهم خلال ww1 أو بتحريض من الدولة العثمانية توازيا مع وباء الأنفلونزا الأسبانية الذي قتل آلاف المصريين ..كلها عوامل تضافرت مع بعضها وأدت لثورة الجماهير المصرية بشكل وزخم ربما كان أول مرة يحدث في التاريخ المصري بهذا الشكل..

يعني باختصار: النظام الحالي بينتهي فعلا وخلال 10 سنوات بالكتير ستصبح مفاهيم العولمة والنيوليبرالية من الماضي وسيبحث الإنسان عن مفاهيم وتطبيقات جديدة، لكن المؤكد أنه وفي حال تغير العالم سينتقل إلى أحد بديلين:

الأول: نظام عالمي أفضل ويساوي بين البشر اجتماعيا..ليس بشكل مطلق ولكن بمعدل أكثر من الموجود، وفي حال وصل الإنسان لهذا النظام ستعيش البشرية حقبة رومانسية وفلسفة نقدية للأديان كالتي عاشها العالم في منتصف القرن العشرين وأوائل القرن 19وأهم معالمها سيكون عودة الدين للمعابد وشخصية أخرى لرجل الدين أقرب للشكل الطقسي مع نشاط شبابي ثوري واجتماعي هائل يضغط على رأس المال ليجبره على الخضوع والقبول بالنظام الجديد..

البديل الثاني: وسيكون نظام عالمي أسوء ستزيد الفجوة فيه بين الفقراء والأغنياء وتكثر المجاعات والحروب، وقتها سيعود رجال الدين للواجهة مرة أخرى بتقديم تفسيرات عقائدية لما يحدث موافقة للكتب المقدسة، نسخة كوبي باست من قصة صعود الوهابية والخومينية الذين صعدا في نفس الظروف مع الفارق.

شخصيا أميل لنجاح البديل الأول، ليس لأنني أتمنى فقط ذلك...ولكن لأن مقدمات ظهوره الآن في صعود نُظُم عالمية تخاصم النفوذ الديني الاجتماعي والسياسي للنظام الحالي كروسيا والصين واليسار الأمريكي، مع نشاط ملحوظ لليسار الأوروبي خصوصا فرنسا، وكما قلت أن انتفاضة 1968 الفرنسية كانت شعلة البدء في التغيير وإحداث توازن فكري أقنع الغرب لاحقا بحقوق العمال الذي هو أحد مبادئ ماركس وكل من ينادي به يتهم بأنه شيوعي..حتى طال ذلك علامات إنسانية كإينشتاين وشارلي شابلن أعقاب العصر المكارثي الأمريكي في تحقير وازدراء كل من ينادي بحقوق الفقراء والعمال على أنه جاسوس شيوعي.

أما عن فترة التغيير..يعني متى سيظهر النظام العالمي الجديد فليس أقل من 10 سنوات وربما من 20 – 30 سنة خلال هذه الفترة لن يهدأ العالم بل سيمر بثورات اجتماعية وحروب على أساس (مالي وديني) وهي ضريبة حتمية سيدفعها البشر للانتقال الآمن يصفي فيها حسابه مع الماضي وتُقبّح فيه كل فكرة تخلط بين الدين والدولة أو تربط بين المال والسلطة وتُجرّم أي توظيف سياسي للدين في القوانين..

سيؤمن العالم بضرورة التعايش والسلام وكف شرور الأغبياء والطامعين، فقط بعد انحسار موجة المرض سيعود العالم لنقطة الصفر في بناء علاقاته السياسية، فالإنسان يفعل الخير غالبا لأنه ضعيف أو لا يشعر بالقوة، وقيل قديما أن أول خطوة في طريق الشر هي القوة، بعدها اصطلح الناس على مفهوم (توازن القوة) لمنع الشرور، ووصل لأن تحكم وسيادة دولة ما أو مجموعة أو فرد دون منافس متكافئ يعني فعل الشر حتما...

والتاريخ يشهد..كيف أن الأنفلونزا الأسبانية التي قتلت 100 مليون إنسان في القرن العشرين كانت سبب (نفسي) لإقناع العالم بعبثية الحرب العالمية الأولى..فانتهت الحرب حتى قبل انحسار المرض، فلولا هذا الوباء وجرائم الحرب العالمية الأولى ما عاش العالم فترة سلام دامت ٢---١--- عام سوى بعض الحروب الصغيرة، ولولا سقوط ملايين القتلى البريطانيين في الوباء والحرب ما تنازلوا عن مستعمراتهم وأشهرها لدينا مصر فقد نالت استقلالها بعد الحرب ب ٤ أعوام سنة ١٩٢٢ م، وكذلك لولا الحرب الأهلية الأمريكية في القرن ١٩ لاستولت أمريكا على كل أراضي المكسيك ليس فقط تكساس وكاليفورنيا قبل الحرب بسنوات، ولولا الحرب والوباء ما وصل العالم لفكرة تأسيس عصبة الأمم سنة 19 بهدف حل مشاكله وتنظيم حياته السياسية..كما أنه لولا الحرب العالمية الثانية ما وصل العالم لفكرة الأمم المتحدة والعرب للجامعة العربية..

لولا الحرب والوباء ما سقط أعتى نظامين دينيين في القرون الوسطى ..النظام العثماني التركي والقيصري الروسي..ولما وصل العالم ومفكريه وفلاسفته للشك في ثقافتهم والاقتناع بضرورة تغييرها أو تطويرها، ولولا شعور العثمانيين بالضعف أمام ملوك إيران وروسيا في القرون الوسطى لغزوا آسيا وأوروبا، لكن سلسلة الحروب العثمانية ضد الصفويين والقاجاريين والقياصرة لمئات الأعوام أعادت للعالم توازنه وحفظت أوروبا وآسيا من سلطة دينية واحدة كانت تعمل على عولمة العالم حسب مذهب السنة...

مبررات الحروب سهلة جدا وقصة إيجاد سبب لفعل الشر بسيطة، ومن يظن أن الحرب العالمية الأولى توقفت لشعور الزعماء بالخطأ دون قوة عليا لا يمكنهم السيطرة عليها وشعور جماعي بالضعف فهو واهم، ومن يظن أن إسرائيل ستنسحب من أراضي فلسطين دون شعورها بالضعف فهو مخدوع، الآن بعد وباء كورونا الذي سينحسر حتما عن خسائر أقل من الأنفلونزا الأسبانية ستقف معظم الحروب الصعبة وتحل مشاكل كانت في الماضي مستحيلة الحل، وتعود للدول سيادتها المفقودة..مما يعني أن الشعب السوري سينال سيادته على أرضه ويُرفع الحصار الدولي على كل من سوريا واليمن وإيران وفنزويلا وغزة، ويعاد النظر بجدية في حل مشكلة فلسطين..

لحظات الرعب التي يعيشها العالم الآن وقياداته ستدفعهم للخيار الصعب الذي لم يفكروا فيه وهم أقوياء، وكما بطشوا وقتلوا وظلموا لطمعهم وجشعهم سيعودوا عن ذلك لشعورهم بالضعف والخوف من اكتساح الفيروس الضعيف الذي يقف العلم حتى الآن عاجزا عن التصدي له، وسيتأسس نظام دولي جديد رسمت معالمه منذ سنوات وأصبح العالم مجهزا لاستقبال ذلك النظام والتعايش معه دون تمرد، ولأنه النظام العادل الذي يجب أن يكون، ثم تعود الكرّة بعد فترة بظهور زعماء أغبياء وجشعين ليشعلوا حروبا أخرى وأزمات أخرى مركبة ومعقدة.. وحين تصل في تعقيدها وشدتها لحظة اليأس..يأتي الحل البسيط غير المتوقع لتدوم الحياه كما دامت ملايين السنين بنفس الطريقة.. 

النرجسية الحضارية وحقيقة تعدد العوالم

0

 في سؤال مهم يخص علم الحضارات..هل التسميات الشائعة في زمن الحرب الباردة لا زالت تنطبق على أصحابها؟..أقصد تسميات العالم الأول والثاني والثالث، فالعالم بعد 11 سبتمبر اختلف نسبيا بانضمام عدة دول لمنظمة التجارة العالمية ووصول سعر البترول إلى 147 دولار وأزمة الرهن العقاري الأمريكي...مرورا بأحداث الربيع العربي وحروبه التي لم تنتهي بعد ..نهاية بأزمة كورونا


بداية فالاختلاف الحاصل بين عالم الحرب الباردة وعالم كورونا يقول بأن 4 دول من المحسوبين على العالم الثالث دخلوا ضمن أقوى 20 اقتصاد بالعالم وهم "أندونيسيا والمكسيك والهند والسعودية" لاسيما أن تصنيف العالم لثلاثة قائم على معايير أهمها الاقتصاد والحالة المعيشية والتصنيع، بينما الهند تخطت كل هذه المعايير بتصدرها الناتج المحلي في قارة آسيا بعد الصين بمجموع 12 تريليون دولار في العام مع ازدهار عدة صناعات كالاتصالات والتكنولوجيا الحيوية والسيارات، مما يعني أنه وحسب معايير تصنيف العالم لثلاثة تكون الهند قد دخلت رسميا العالم الأول متخطية بذلك دولا محسوبة على ذلك العالم كاستراليا ونيوزيلندا..

وهنا جوهر الاختلاف..أن تقسيم العالم بهذا الشكل يوحي بأنه كان طبقيا عنصريا حسب رؤية الرجل الأبيض ، فاستراليا ونيوزيلندا يحكمها ذلك العنصر البشري الذي يحكم أوروبا والولايات المتحدة وكندا، بينما الدول العربية وأفريقيا وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية والمكسيك لا ينتمون لهذا العالم لاختلاف الأجناس، والأمر نفسه ينطبق على توصيف العالم الثاني الشيوعي..مما يعني أن التصنيف كان قائما على رؤية عنصرية تجاوزت حد الأديان ..لكنها لم تتجاوز حد القوميات والدليل على ذلك أن هذا الرجل الأبيض الذي يحكم روسيا ليس محسوبا على العالم الأول حسب وجهة نظرهم وهو من هو في عالم الصناعة والحداثة..

يوجد من يقول أن هذا التصنيف به لمحة دينية بتخصيص العالم الأول لذوي الديانة البروتستانتية في الغالب، وبدون الدخول في إحصاءات توضح ماهية ذلك ولكن وجود فرنسا وإيطاليا وأسبانيا كأكبر تجمع كاثوليكي في أوروبا ينفيه، ولكن انتماء هؤلاء جميعا للحضارة الرومانية هو الفيصل في تعيين أصل هؤلاء الثقافي، بمعنى أن تصنيف العوالم لثلاثة بدأ في ظاهره عنصريا يعطي الأولوية لدول الاستعمار الحديث في المقدمة..لكنه في جوهره تضمن مقدمة محذوفة ومضمرة هي أن ذلك الاختيار مبني على أساس حضاري تاريخي ما زال يهيمن على سياسات العالم حتى اللحظة.

وقد ألهبت هذه الحقيقة خيال من قالوا بصراع الحضارات وأن العالم يتجه لصدام من نوع جديد يتخطى حاجز القوميات والأديان بالعودة إلى أصول ونشأة الإنسان وحضاراته القديمة.

وفي نفس السياق يمكن فهم الخصومة الآن بين السعودية وإيران من جانب، وبين إيران وإسرائيل من جانب..إنه قد يُظهر عودة حميمة للجذور العرقية والأنساب بصراع بين العرب والفرس وتكرار معارك القرن 7 م، أو بانتساب الشعب الفارسي والأذري لآل البيت فيصبحون على خصومة مع اليهود الذين شكّلوا عقلية وذهن البيت الأموي، أي أن طريقة تفكير الإيرانيين قد تحوي في مضمونها انتماءً للطالبيين المضطهدين في العصر الأموي، خصوصا وأن الشيعة في تلك المنطقة متهمين بالانتماء لشعب خراسان والهند كما حدث من صدام حسين بعد الانتفاضة الشعبانية سنة 1991 واتهامه شعب الجنوب الشيعي بأنه ليس عراقيا في إشارة لجذورهم الأسيوية القادمة من غزوات العباسيين والعلويين في القرن 2 هـ..مما يعني أننا أصبحنا أمام مشكلة مركبة، فالشعب الإيراني وقيادته لا يفكرون فقط فلسفيا حسب الجذور الحضارية الإيرانية كما أوضحت في كتابي عن إيران والخليج..ولكن يفكرون أيضا بطريقة دينية أعادت صراع الماضي مع الأمويين على شكل صراع مع اليهود والوهابية.

كذلك وبانتفاء العنصر الوهابي في الدولة السعودية أو ضعفه وزوال تأثيره قد نرى صلحا إيرانيا سعوديا سريعا، لكن الأمر لا ينطبق على إسرائيل لأن التصالح بين إيران وإسرائيل – حسب هذا السياق – هو غير ممكن حتى لو قررت إسرائيل الإنسحاب من فلسطين، لكن بقائها كدولة منافسة للقائد الإيراني – ذو العقلية الهاشمية الطالبية – يحفزه على إبداء الخصومة لها..والعكس صحيح، أي أن الثقافة التلمودية التي أثرت على فقهاء البيت الأموي والتي تحكم حاليا بعض حكام إسرائيل سترى في ثورات وتمرد القائد الإيراني صورة آل البيت المطرودين والمحكوم عليهم بالردة والتعطيل..لاسيما أن هؤلاء الحكام اليهود متهمين بالتشبيه والجبر عند الشيعة.

وبالأخص أن الاتهام بالجبرية له انعكاسا سياسيا خطيرا جذوره مضمورة بالنفس وتقول بأن ظلم الناس هو جائز ما داموا ينكرون أقدار الله، وقد سبق وقوع الإخوان المسلمين في هذا الخطأ بمصر..حين زعموا أن مرسي هو من اختيار الله وقدره، والرافضين له وأعضاء حركة تمرد هم منكرين لقدر الله بالضرورة..وهو نفس المعتقد الأموي ذو التأثير اليهودي الذي ثار عليه المعتزلة والشيعة..وهذه قصة كبيرة دارت أحداثها في التراث بين معارك ومذابح وأكاذيب وأحقاد لا زالت تنعكس في واقع المسلمين إلى اليوم.

ربما هذا التصوره يراه البعض بعيدا أو أقرب للهذيان والشطح، لكني أراه قريبا وأقرب للدقة والعمق، خصوصا وأن حضارة المسلمين الحالية لم تعد واحدة، لقد انقسمت لحضارة عربية وأخرى فارسية وأخرى تركية وأخرى ماليزية..تعيش كل واحدة في مكان منفصل عن الآخر، وتعيد ذكرياتها وأمجادها محليا دون النظر لخطورة ومآلات هذا الفصل، حتى العرب لم يعودوا ينتمون في بعض الأحيان لحضارة واحدة..فوجدنا المصريون والأمازيغ والسودان والشوام والعراقيون يطالبون في البعض منهم بإحياء جذورهم وحضاراتهم المندثرة، كأنه صراع هوية ساخن ما زال يعاني من عقدة الفراغ، وبالتأكيد فور ملء ثغرات تلك الهوية ستتضح المعالم بظهور هويات مختلفة للشعوب أقرب لجذورها الحضارية البائدة.

ولربما أيضا يكون هذا الحنين للجذور هو انعكاس للإنفجار المعلوماتي الرهيب وتعزيز صور النوستالجيا في الذهن، فمثلما يحدث عند العرب هو يحدث أيضا عند شعوب وأقوام أخرى بدأت تتخلى عن تصورها القومي المعاصر لبحث وحنين عن الجذور التاريخية والحضارية بالخصوص وأن هذا السلوك منهم يترافق مع قفزة اقتصادية وعلمية وصناعية مهمة تعيشها بعض دول العالم ممن لم يُحسَبوا على العالم الأول، فمن كان يصدق أن فيتنام التي خرجت شبه مدمرة منذ عام 1975 أصبحت الآن من المرشحين بقوة للدخول في عالم النمور الأسيوية وتكرار نهضة تايوان وسنغافورة وهونج كونج، وأن خلافاتهم مع الصين قديما بدأت تزول لصالح رؤية حضارية جديدة هي السبب في هدوء مشكلة بحر الصين الجنوبي.

فلولا الولايات المتحدة وأستراليا لحُلّت تلك المشكلة، لكننا شهدنا منذ أيام وجودا عسكريا للبلدين في بحر الصين مما استدعا خارجية بكين لاستنكار هذا الوجود، بينما الموقف الفيتنامي الذي هو محور من محاور المشكلة لم ينتفض أو يتحدث في سلوك يُفهَم منه على أنه شعورا داخليا فيتناميا يحيي قضية الانتماء الأسيوي كأولوية على ما سواها، مما يعني أننا أصبحنا أمام تجاوز للقوميات المحلية لحساب الحضارة والجذور، لاسيما أن بقاء الدولة فترة طويلة دون حروب وصراعات في ظل نهضة اقتصادية يُكسب شعبها قيما متحضرة ومنتمية للإنسان قبل الأديان والقوميات..وأن هذه القيم المتحضرة هي التي تدفع الشعوب للبحث عن جذورها كبديل للعيش في عالم تحكمه الأمواج المتلاطمة والظلم الطبقي الفاحش والسياسي العبثي المنتشر في أكثر من بقعة أرضية..

ولربما يكون هذا السلوك اللاإرادي هو رد فعل طبيعي على العولمة والأمر بجمع العالم تحت حكومة واحدة رأسمالية فقدت القدوة في تقديم نفسها بصورة شريفة ونزيهة، فمع تقدم الدول المتطورة لكن وعي الشعوب فيها يميل جزئيا للحِسّ اليساري المشكك في نوايا قادة دولهم..ومن ثم يبدأ في نشر فرضياته وتنويعها بوجود مؤامرة، وآخر تلك الفرضيات هي عدم وجود ما يسمى بفيروس كورونا، وأنه كذبة عالمية للتغطية على أضرار شبكات الجيل الخامس التي ستصب أرباحها في أيدي وجيوب نفس الطبقة التي تتغذى على حروب وصراعات العالم..

وقد تعمدت وصف هذا السلوك باللاإرادي لكونه رد فعل مثير أخلاقي مركزه في العمق اللاشعوري، والإنسان في قمة غضبه يكون في أقصى درجات الشحن المعنوي..وهذه الحالة السيكولوجية التي تبدأ وتشعل الحروب بمعنى أن الإنسان يعمل على مسارين اثنين في غضبه، الأول هو الهجوم على مصدر تهديده بغريزة الدفاع عن النفس، والثاني هو البحث عن بديل أخلاقي لممثلي هذا الهجوم..وبما أن بديل الحضارة المعاصرة غائب عقليا وثقافيا وخصومها من الأصوليين والبدائيين فاقدي العقل والضمير فالنفس البشرية تميل – لاشعوريا - للعودة إلى إنجازها التاريخي الحضاري بشكل تلقائي، لذلك أعد تلك المحاولات للتغني بأمجاد الحضارات القديمة والزخم الكبير في دراستها حاليا وتصور ما كان عليه العالم وقتها بشكل علمي محترف ما هو إلا صناعة بديل حضاري يتخطى حاجز القوميات والأديان وربما اللغات بعد ثبوت أن تلك الحواجز لم تستفيد منها البشرية أكثر مما تضررت.

فالحروب العالمية السابقة حدثت فعليا بين ذوي الحضارة الرومانية – حسب السياق – وحروب الشرق الأوسط حاليا تحدث بين ذوي الحضارة الإسلامية السابقة من نفس الجنس والدين واللغة، إذن ما الذي يدعو للثقة في مفاهيم العصر من شعارات وقوميات وأديان وهي لم تحفظ حق الجيرة والأصل المشترك؟

إن توق الإنسان لماضيه يمكن تفسيره على وجهين إيجابي وسلبي معا، فالوجه السلبي يتلخص في عدم قدرة الإنسان على فهم واقعه بمجرد ماضيه حصرا..وهذا الذي لا يريد فهمه أصوليي الأديان كلها، أما الوجه الإيجابي هو التوق للعودة من جديد وبداية جديدة تعالج الأخطاء التي وقع فيها السابقون ، فأسلاف المسلمين مثلا وقعوا في أخطاء عقلية وسياسية ودينية وعلمية..إن الوقوف على تلك الأخطاء وعلاجها مع بدء الحضارة الإسلامية من جديد سيكون كافيا – حسب وجهة نظرهم – لصناعة بديل حضاري أكثر أخلاقا وعقلا من الموجود، لاسيما أن الماضي الديني لم ينقل عزلة معرفية بين الشعوب بسبب اختلاف اللغة أكثر من اختلاف التقاليد

بدليل أن الأجنبي الذي كان يريد العيش في مجتمع المسلمين يفعل ذلك بسهولة شرط احترامه للتقاليد، وقد ورثنا ذلك بهجرات أجنبية مكثفة بدأت من القرن 19 وانتهت مع حرب 48 في فلسطين ، فكان اليوناني والأرمني والقوقازي والأوروبي والأسيوي يعيش في مصر دون اكتشاف أن حواجز اللغة والدين كانت مؤثرة، بل لوحدة التقاليد واحترامها حدث العنصر الإيجابي في القصة وهو "التفاعل الحضاري" وملخصه أن كل إنسان يمكنه التعايش مع الإنسان الآخر دون النظر إلى دينه وعرقه ولغته..فقط هي احترام التقاليد والثقافات ، مما يعني أن تنوع الحضارة القديمة المفترض لغويا وعرقيا ودينيا لم يشكل عائق ضد ظهورها، فالشيعة شاركوا في حضارة المسلمين مثلما شارك السنة، الأكراد والقوقازيين والأتراك والأندلسيين والفرس بنفس النسبة، منهم من كان لادينيا كالمتنبي والرازي ومنهم من كان مؤمنا كابن رشد.

صحيح توجد عوامل اجتماعية ذكرتها في السابق كصفة تمتع بها بعض علماء الحضارة الإسلامية وهي انتمائهم للطبقتين الوسطى والعليا، لكن قياسا لظروف هذا العصر سنجد أن علماء الحضارة الأوروبية كانوا من نفس الطبقة، والعلة المشتركة أن الناس والعوام والسلطات تحترم أبناء هاتين الطبقتين تحديدا ويخافون من تأثيرهم إذا لزم الأمر، وعليه فالتذرع بالخلاف الديني كسبب في التخلف هو غير حقيقي دائما، المشكلة أصلها طبقية خاصة بأصحاب النفوذ..وهذا محور عدم ثقتي في أي إجراء حكومي أو شعارات يرفعها الساسة في التنوير والتجديد دون قرارات تُحصن وتَحمي المفكرين خصوصا من ذوي الطبقة الدنيا والفقيرة الذين نشطوا منذ سنوات بفضل الانفتاح الإعلامي وحُسن استخدام الإنترنت.

وقد يؤدي هذا المقال لنتيجة مؤكدة وهي أن "العولمة مجرد خرافة وأمنيات غير واقعية" فالإنسان مع كل التقدم الذي وصل إليه وبلوغه قمة الهرم المعرفي لكنه لم ينسَ أصوله الحضارية، فالأمريكي لا زال ينظر للصيني باحتقار والعكس صحيح رغم وجود علاقات دبلوماسية واقتصادية، والنظام الأمريكي السياسي بدا من سلوكياته أنه يريد العودة لما قبل السبعينات حين كانت الصين ب 99% منها غير ممثلة سوى بحكومة تايوان الانفصالية، وبالتالي ما حدث في الاعتراف بحكومة بكين والحزب الشيوعي غلطة يريد الأمريكيون تداركها وقد جاءت أزمة كورونا لتُظهر هذه القناعات على السطح وبدء حملات إعلامية أشبه بالتي تحدث في ظل الحروب العسكرية عبر إطلاق كمّ كبير من المعلومات الكاذبة والمضللة عن الآخر لأهداف الحشد والتغطية على نقاط قوة الخصم.

نقطة أخرى أود الإشارة إليها أن هناك ما يسمى ب "الوعي الذاتي الحضاري" أو ما أسميه ب "النرجسية الحضارية" وهي الكامنة في اللاوعي الإنساني وتظهر في الأزمات على شكل احتقار للآخر وشوفينية وربما رجعية حضارية على نحو ما نادى بها أصوليين المسلمين في السبعينات، فلولا أن الحروب العالمية وما أعقبها من حروب استنزاف بالوكالة وحرب باردة ما شعر المسلمون بالحنين لماضيهم وما نجح المتشددين في إقناع العوام بأن الحل سيكون في الخلافة، وهنا يتجلى مظهرا آخر من الأزمة..أن استدعاء مفاهيم الدين الحضارية في ظل الأزمات سيكون على شكل استغاثة بأذرع قوتها، فالمسلمين لم يستدعوا فلسفة ابن سينا وعبقرية ابن رشد والرازي وإبداع المتنبي وموسوعية الجاحظ..بل استدعوا الخلافة والجهاد على طريقة ابن تيمية وخالد بن الوليد، مما يعني أن شعورهم بالخطر كان أسبق على التفكير باستدعاء مقومات النهضة الحقيقية فصّدروا هذا الشعور على شكل مفاهيم وشعارات تطالب بالحكم الإسلامي.

إن هذه النرجسية الحضارية هي الباقية فينا منذ العصر الحجري، ولكن تطورت لمجتمعات نهضت وأنجزت في حقبة من الزمن، فهي تطورت من الأسرة والسلالة بعدما كان الانتماء الحضاري عند الأسلاف الحجريين لن يفارق العائلة وزعيم العشيرة، وربما نلحظ ذلك بوجود وبقاء التعصب القبلي والعشائري حتى عند بعض الشعوب المتطورة كاليابان والصين، ولا زالت دعاوى الألفة القبلية والترابط الاجتماعي تجد صداها وقبولها في مجتمعات الغرب ليس لأنها تحاكي ما كان عليه الأسلاف فقط ولكنها تحقق الحد الأدنى من الشعور بالأمان في ظل تغول الحكومة ورأس المال.

مما يعني أن تصنيف الشعوب لعوالم ثلاثة في ظل هذه النرجسية ولأسباب طرحت في المقدمة هو عمل يخفي بين ثناياه أزمة حضارية وحاجة للشعور بالنفس وبحث عن الهوية المفقودة التي بدأت تتشكل منذ زمن وكانت أهم علاماتها استحالة الوفاق الثقافي والسياسي بين الشرق والغرب على مستوى العالم، أو حدوث أي اندماج ثقافي وسياسي بين شعوب عرفت إنجازها الحضاري السابق في ظل الحروب البينية، مما يعني أنه ولكي تصنع وفاقا واندماجا بين العرب والفرس معا عليك أن تلغي صفحة معاركهم من التاريخ في ظل الحضارة الإسلامية والتي نسبت لاحقا للعرب، وكذلك لا يمكنك أن توفق أو تعقد تحالفا بين الشعبين الإيراني والإنجليزي لإنجاز الإيرانيين حضارتهم السابقة في العصرين الإخميني والساساني في ظل الحرب مع الرومان الذين ورثت بريطانيا الاستعمارية الحديث باسمهم حضاريا متخطية بذلك مركزها السياسي في روما واسطنبول.

نفس الشئ ينطبق على الأتراك..فهم لا يتصورون اندماجا وتحالفا ثقافيا وسياسيا كاملا مع إيران في ظل إنجازهم العثماني دون التأثر بالحروب المتكررة مع الصفويين، إنه شعور استعلائي بشري طبيعي لا يجب أن نخاف منه في الأخير، لكنه يعطي إِشارة بضرورة فهم السياسة بناء على تلك الجذور الحضارية ولو بنسبة من عندي 30% في المتوسط، باقي النسبة لعوامل المصلحة التي لا زالت لها الغلبة في تشكيل صراعات وحروب وأزمات العالم..ولن يزول هذا العامل البراجماتي في الصراع ما دامت حياة الناس تتطلب العمل والإنتاج لبقاء الحياه..لكن نسبته تتأرجح ما بين عدة أرقام حسب شعور الناس بذواتهم ونرجسيتهم الحضارية التي لا زالت تشكل جزء كبير من أسباب الأزمة وعوامل بقائها.


الأزمة الجنسية للمرأة..ومشكلة التراث

0

 في كتاب الدكتورة الأمريكية "لوني بارباش" بعنوان "من أجلك أنت تصويب الطاقة الجنسية للمرأة" قالت أن المرأة من خجلها وإحساسها بالذنب قد لا تعرف النشوة الجنسية في حياتها سوى ما بعد سن العشرين أو بعد الزواج، ومنها من عرفت تلك النشوة مع الشريك عددا قليلا من المرات لا يتناسب مع حاجتها وطاقتها الجنسية لنفس السبب، وبحكم أن بارباش تخصصت في علم الجنس للمرأة ولديها شروحات في عدة كتب نصحت من ناحية سيكولوجية كيفية تحوّل النساء لوضعٍ جديد أكثر استمتاعا بالحياه من قبل فيما يبدو على أنه نسخة شبيهة من جهود الدكتورة "نوال السعداوي" في كتابيها "المرأة والجنس" و "الأنثى هي الأصل"


ولتصور ما قالته بارباش ففي مرحلة مبكرة من عمر الإنسان وتحديدا في سن البلوغ قد يكتشف بعض التغيرات الفسيولوجية والنفسية عليه بحيث يكسبه هذا التحوّل جسدا جديدا وسلوكا مغايرا لم يعرفه من قبل ، وأشهر تلك العادات الجديدة ما اصطلح عليه ب "العادة السرية" تقول الدكتورة بارباش أن ممارسة العادة السرية للنساء مختلفة في طبيعتها عن الرجل ليس فقط من حيث الأداء والوسائل ..بل من حيث الرغبة والتفكير في الأمر برمته، وضربت أمثلة على عدة حالات عرفتها بأن كثيراً من النساء يشعرن بالحرج واعتبار أن هذه المتعة لا يجب أن تكون سوى مع الذكر إرضاءً له.

هنا يبدو نفقا كبيرا في نفس المرأة ما زال يحمل بعض علامات الاستعباد الذكوري أو عصر الجواري الذي كانت فيه النساء سلعة جنسية للرجل يمارس معهن بأي عددٍ شاء، خلافا للذكور الذين يمارسون تلك العادة للاستمتاع الذاتي دون الحاجة للمرأة ولديهم الشجاعة والرغبة في الاستغناء خلافا للأنثى، وعلى نفس السياق ذكرت بارباش في كتابها أن بعض حالات الأنثى المتزوجة عرفت في سلوكها الجنسي مع شريكها بعض علامات تلك العبودية أيضا..فهي تمارس مع زوجها لإرضاءه ومتعته لا غير دون أن تهتم بسلوكيات ترفع من معدل إثارتها حتى لو كانت محبة لزوجها أو لا تستحي منه، لكن في داخلها كمّ كبير من الخجل والإحساس بالضعف يجبرها على الاستمتاع الشكلي دون إطلاق العنان لنفسها كما يطلق الرجل.

ربما هذه معلومات جديدة على البعض، فالشائع أن الجنسين يمارسان المتعة الذاتية والثنائية بنفس الدرجة من الرغبة والقدرة، حتى أدى ذلك لبعض الخرافات كأن شهوة المرأة الجنسية 24 ضعف شهوة الرجل..فعلى ما يبدو أن أصحاب نظرية تسليع الأنثى جنسيا واعتبارهن عواهر هم الذين اخترعوا تلك الخرافة لإقناع أنفسهم بالرغبة من الأنثى أو تبرير سلوكهم العدواني بالتحرش والاغتصاب وخلافه.

وهذا يفسر موقف المجتمع ممن يظهرن أنوثتهن بالدرجة التي تتسق مع طبيعتها من الداخل قبل إنكارها على النحو الذي ذكرته بارباش، فكل أنثى تتجمل وتتزين وتلبس أو تتحرك وتتكلم خلافا لأسلوب الرجل هي كائن مشبوه أو هو كائن يرغب في الجنس..هكذا يجري تفسير سلوك المرأة الطبيعي المتسق مع أنوثتها، والغريب أنه نفس اعتقاد المرأة السيكولوجي عن نفسها في كتمان مشاعرها الجنسية مع الشريك خوفا من أن يؤدي ذلك للانتقاص منها وفقدان جاذبيتها في عين الرجل، خلافا للحقيقة التي تتطلب إظهار تلك الأنثوية وإطلاق العنان لتلك المشاعر المكبوتة أثناء العلاقة، والنتيجة أن الرجل لا يتعامل مع روح أنثوية في الأصل بل جسد أنثوي قد يكون حيا، أما الروح الغائبة والتي ترفض المرأة استدعائها لأفكار مغلوطة لها عمق في النفس كما أشرنا ستظل غائبة وربما تموت مع المرأة دون أن تشعر مرة واحدة في حياتها بالمتعة الحقيقية.

والسبب في ذلك يعود لتصور الإنسان عن دينه الذي يأمره في الغالب بمعاملة المرأة بنفس الطريقة وهي أنه لا حقوق ولاية عامة للنساء ورثتها البشرية من سلفها الأول الذي كان يخرج فيه الذكور للصيد والحركة بينما تقعد النساء لتربية الأطفال وحمايتهم، فإذا اعتبرنا أن هذا السلف لم يدرك طبيعة الجسد الذكوري في هرمون التيستوستيرون وآثاره على العظام والعضلات فكيف بمن علم ذلك في القرن 21 وأن مادة تكوين الأنثى لا تتمتع بالنسبة الكافية من هذا الهرمون كما يتمتع به الذكر، وبالتالي فالتفريق بين الجنسين بناء على تلك القوة البنيوية للذكور هو عمل لا أخلاقي يشرعن ظلم المرأة وكبتها وسلب كل حقوقها في الثروة والسلطة أو أن تكون حتى مسئولة عن نفسها..لاسيما أن المتدين لا زال ينظر للمرأة كما نظر إليها سلفه الأول بصناعة هوية لها مغايرة تتطلب نظاما في الطبيعة مختلف عن أنظمة الرجل.

وهنا نعود للإشكال الأخلاقي..من الذي أعطى للرجل أحقية تعريف هوية للمرأة؟...أليس من المفترض أن هوية النساء تصنعها النساء وهوية الرجال تصنعها الرجال؟..أليس التحدث في هوية المرأة من قِبَل الرجال أو العكس سيؤدي لشيوع الجهل بالجنس الآخر عموما؟ ألا تعتبر العادة العرفية هي المؤثر الأكبر في تصدير صورة عن الآخر ليست صحيحة؟..أليست تلك العادات هي التي منعت عن المرأة العمل في القضاء والمحاماه والبوليس والإدارة؟..أليست تلك العادات هي التي ألبستها الحجاب والنقاب؟..أليست تلك العادات هي ما جعلت شعر المرأة مثيرا للشهوة في مجتمع وليس مثيرا في مجتمع آخر؟..أليست تلك العادات هي التي أقنعت المرأة في السابق بالتكيف مع عبوديتها في نظام الجواري دون أي اعتراض؟..وأليست تلك العادات بعد تغيرها هي التي حفزت الحركات النسائية والحقوقيين منذ 100 عام أو أكثر في المطالبة برفع تلك العبودية وإنهاء التمييز بين الجنسين؟

إن ما أكدته الدكتورة بارباش لهو أمر محزن بأن لا يعرف كائنا حيا شعورا جنسيا أبدا مع تقدمه في السن، ولولا أن تلك الأعراف التي تحولت لمحرمات دينية ما حَرمت أي كائن من لذته ومتعته في الحياه، أما الذكور فلو كانوا مهتمين بحق الأنثى فعلا ما ناقشوه من وجهة نظر دينية، إذ أن الأديان لم تأتِ لحل كل المشاكل..لأنها ببساطة لم تصنع كل المشاكل، فالإسلام مثلا لم يكن هو الذي صنع العبودية كي يقضي عليها، والمسيحية لم تكن هي التي صنعت قمع الطوائف الأخرى لكي تقضي عليها، هذه سلوكيات متدينيين كانت وبقيت وظلت وستظل معهم أينما تدينوا، فعلى الأحرى إذن أن نعود لجذر المشكلة وهو الإنسان..خصوصا في تصوره للمرأة دون التعامل معها كضحية بين الذئاب بحاجة لحماية..بل أن نعطيها كافة حقوقها وأسلحتها لتدافع هي عن نفسها.

فالمؤمنين مثلما صوّروا أنفسهم كدعاة حقوق كانوا في ذات الوقت دعاة ظلم، ونموذج ذلك ما حدث في التفريق بين نص المسلمين الأول والثاني في تصور النساء، فيقول القرآن " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة "[الأنفال : 25] بينما يقول الحديث " اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء"وحديث آخر: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء"، فالقرآن هنا لا يخص الفتنة لجنس دون آخر بل يعمم، أما الحديث فهو يخصها أكثر للمرأة باعتبارها المسئولة عن غواية آدم في الجنة كما ورث الشيوخ ومتديني المسلمين عن التوراه، ناهيك عن الصور الأخرى المبتذلة في اعتبار المرأة أكثر أهل النار وأنها تنقض الوضوء وأنها نجسة في حيضها وأشبه بالكلب والحمار والدابة في قطع الصلاه والركوب مما اشتهر عن المرأة وشاع كتصور ذكوري في المجتمع أصبح بعضه منصوصا عليه في القانون.

لا شك أن الإعلام والتطور التكنولوجي ساهم إلى حد بعيد في خفض تلك المظاهر والتمييز الفاحش في حق المرأة، فالمرأة المدخنة مثلا لم تكن مقبولة اجتماعيا إلى وقت قريب وما زالت في بعض المناطق لا يسمح بتدخين المرأة عُرفا..وفي كثير من المناطق يجري النظر إليها باستغراب..إنه نفس الشعور النسائي الذي ورثوه عن الجنس ، فالأفلام السينمائية مثلما أظهرت النساء مدخنات وفتحت الباب لقبول تلك الظاهرة اجتماعيا أدت في المقابل لرؤية تعبير المرأة عن نفسها جنسيا ورومانسيا، فمشهد قبلات واحد تكون فيه الممثلة أكثر انسجاما من الممثل هو كسر لكل حواجز المجتمع الذكوري وتابوهاته الذي رأى في هذا الانسجام وتلك الرغبة الأنثوية عملا فاحشا يستوجب تقبيحه عملا بأشهر قاعدة عند الشيوخ وهي "سد الذرائع"

فالذي يشغل المتدين عن المرأة وقتها هو تغليف الجسد والروح والشكل الأنثوي بغلاف مقدس أقرب إلى وقار المُصلّين في المعابد، وبالتالي فكرة تعبير المرأة عن نفسها جنسيا ورومانسيا هو خرق لهذا الغلاف وتدمير له من جذوره..بل سيطلق العنان لاحقا – حسب رأيه – لتعبير أكثر شجاعة وجرأة وهو أن تطلب المرأة بنفسها من الرجل أن تمارس معه الجنس..ولك أن تتخيل لو حدث ذلك..فبرغم أن البشرية لم ترتقي بعد لهذا التطور ولا أعلم هل سنبلغه أم لا لكن وصول الوضع لهذا الحال يعني شيوع الفاحشة والزنا باعتبار أن المرأة هي المسئولة عنه في العرف الديني، ومن أجل ذلك وضعوا فقه العقوبات مبنيا على أن تشديد لباس المرأة بشكل حاد ومنعها من الاختلاط وخفض صوتها..إلخ من شتى الوسائل التي تغلق الباب على الجنس ومقدماته.

برغم أنه وبالقياس على تدخين النساء وقبوله اجتماعيا في بعض المناطق لم نلحظ تغييرا في العلاقة بين الذكر والأنثى، وأن كل ما حدث هو أن امرأة رفعت سيجارها على فاها وأخرجت دخانها بالضبط كما يفعل الذكر، وهنا الفعل الأنثوي أصبح مجردا عن طبيعتها الأنثوية بل ظهر كفعل بشري لا فارق بينه وبين تدخين الرجال، نفس الشئ عندما يسافر أحد المتشددين دينيا لبلاد الغرب ومن كثرة ما يراه من عري في الشارع وسفور شعر وقبلات وخلافه..لم يُثِر ذلك فيه حفيظته الجنسية بل يصبح أكثر إثارة لو فعلت ذلك امرأة محجبة أو رأى خصلتين شعر من طرف الحجاب.

مما يعني أن نعود بشكل حتمي لقضية "الترميز الجنسي" والتي تعني أنه ولكل مجتمع ترميزه الجنسي الخاص، فمثلما يصبح الشعر مغريا في مجتمع عربي هو ليس مغريا في مجتمع آخر، بل نجد عند هذا الآخر ترميزا جنسيا مختلفا يطال الكعب مثلا أو اللون والوزن، كذلك في شأن القبلات والتعبير الجنسي..فمثلما يعبر الذكر عن نفسه بالشوق والرغبة عبّرت المرأة بنفس القدر..لكنه وبامتناع أحدهما عن هذا التعبير يحدث لاحقا ترميز جنسي عنيف له تصبح أي قبلة من فيلم بالسبعينات مثلا هي مثيرة جنسيا في مصر الآن، والسبب واضح أن السينما المصرية اتخذت خطوات منذ 20 عاما فيما عرف بالسينما النظيفة أي الخالية من القبلات التي كانت شائعة في أعمال السبعينات، وعليه تم صياغة هذا الترميز في وعي الشباب والنشء على أن القبلات ممنوعة لكنها مرغوبة وبشدة، حتى أصبح مجرد وضع يافطة عليها "ممنوع من العرض" هي علامة تجارية مضمونة الانتشار والربح..

إن معركة هؤلاء مع الجَمَال بالأصل، فالجَمَال الذي تغنى في حقه الشعراء العرب بوصف العين والشعر والجسد هو نفس الجَمَال الذي أراد المتدين إخفاؤه بدعوى الخوف من الزنا، وهنا تكمن إشكالية في نفس المتدين هي أنه يعتقد بمجرد إطلاق الخيال في التأمل والوصف يعني أنه سيتجاوز بالضرورة حدود الأخلاق والدين، فالشاعر الذي تغنى في جمال شعر النساء كالمتنبي في قوله " وما خضب الناس البياض لأنه *** قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه" لم يُروى أن المتنبي بناء على هذا الشعر وقع في الخطيئة والزنا، أو أن أتباعه كانوا من دعاة اللهو والجنس والاغتصاب كما يُصوّر في نفس المتدين، إنه خيال المبدع الذي كما تغنى في سواد شعر المرأة العربية قديما تغنى أيضا في جمال حلكة الليل الأسود.

فكما ألهب ظلام الليل مشاعر الأدباء وإضافة تعابير مجازية عن الحُزن والسعادة والأمل والجَمال ألهبت بنفس القدر أجساد النساء وملابسهن مشاعرهم فنظّموا الأبيات، وبنفس القدر أيضا تغنى فحول الشعراء بجمال بعض الحيوانات والنباتات..فيكون حسب وجهة نظر المتدين أن الشاعر المتغني بجمال الظبيان سينكحهن..أو مدح جمال الفرس والحصان العربي أنه سيزني بإحداها لتُنجِب مخلوقا نصف آدمي والنصف الآخر حصان..!..إنه الجَمال الذي ينكروه ويقبع في النفس والخيال بشكل دائم موروث منذ أن شعر الإنسان بعقله وتطور تفكيره..

إنني أرى أن الأمة التي يكثر فيها المبدعين والشعراء والأدباء يقل فيها معدل التشدد الديني، فالشعب الذي يحترم خياله ويعيش بطبيعته لا يمكن له أن يقبل التشدد الفكري، والتاريخ الإسلامي يشهد أن سماع الموسيقى كان أمرا طبيعيا في القرون الثلاثة الأولى زمن انتشار الشعراء والأدباء والاجتهاد الفقهي والعقلي، فثلما جاءت نصوصا تُحرّم سماع الموسيقى والغناء جاءت نصوصاً أخرى تقول بالعكس..ثم شواهد وقرائن من علم الآثار يعضد الرأي الثاني كما في "قصر عمرة" بالأردن حيث كان يتغنى ويسهر الخليفة الأموي على أنغام وإيقاع الموسيقيين والراقصات في القصر، علما بأنه نفس الخليفة التي جاءت لنا الأخبار عن ورعه وتقواه وأن بعضهم كان يحج عاما ويغزو عاما..

والانحدار الفكري مسجل منذ هذا التاريخ – أي منذ بداية القرن 4 هـ - حين تم تقنين ما أمر به الخليفة العباسي المتوكل ولاحقا ما أمر به الخليفة القادر بالله الذين أصدروا مراسيما أشبه بالفرمانات العثمانية بنشر عقيدة واحدة ومذهب واحد ورأي واحد هو (أهل الحديث) وتجريم كل ما سواه من فكر ومذاهب دينية وصلت أحيانا لقتل العلماء وحرق كتبهم مما دفع المثقفين للشعور بالخطر والهجرة أو الكفّ عن إبداعاتهم التي ميزتهم وميزت أسلافهم في السابق، والتاريخ يشهد أن تلك الحقبة المأساوية شهدت تدمير مذهب المعتزلة القديم وإرهاب الفلاسفة معنويا ثم ختمت المأساه بتحول مذهب أبي حنيفة وأتباعه من أهل الرأي لأهل الحديث..وخوف كل منتسب لهذا المذهب من إعلان رأيه العقلي الذي قد يخالف هوى السلطان فتصبح النتيجة هي الموت.

خلاصة ذلك: أن اللذة والاستمتاع الجنسي لا يمكن فصلهم عن المعتقدات الدينية، فمثلما وجدنا تأثيرا دينيا على المرأة كان أكثر شمولية بالعرف منعها من اللذة، وجدنا أيضا بعض النساء المثقفات رأين أنه لا يمكن أن يحجب الدين تلك المتعة عنهن، وأن التعبير الجنسي عن النفس مسموح كما هو للرجال أيضا هو للنساء بنفس الدرجة، وأن من وضع نصوصا" كلَعَنَ الله النامصة والمتنمصة " "والكاسيات العاريات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة"..وغيرها من النصوص التي تمنع التزين هو نفسه المسئول عن وصول الحالات التي عالجتها الدكتورة "لوني بارباش" لقمع وإرهاب نفسي كبير حجب عنها الشعور بالمتعة حتى مع نفسها.

وبرغم أنني من أنصار التفريق بين العلم والدين..إلا أن كلاهما في رأيي يناقشان موضوعا واحدا وهو (الحياه) أو (معنى الحياه) وأن مفتاح فهم تلك الحياه لا يمكن أن يتعامل مع مسارين منفصلين دون التقاء..بل حتما سيلتقيان، مما يؤكد ضرورة عقلنة أي دين وأي حياة..ليس شرطا أن تتفق مع العلم المتغير ولكن أن ترضي الحد الأدنى من العقل والحق الاجتماعي الذي عرفه الإنسان بعد الثورة الصناعية، وإلا فالمقابل سيكون صداما بين الحق الإنساني وبين الأديان مما يبشر بنهايتها..فحاجات الإنسان البيولوجية والنفسية لا يمكن أن تتعارض مع رأي الله الخالق، وعليه فالمتدين مثلما يشغل نفسه في تحجيم وسجن المرأة بدعوى الخوف من الزنا..عليه في المقابل أن يشغل نفسه بفهم حقوقها بصدق دون تأثير المرجعية؟

وهذه مسألة ثقافية نادرة الانشغال بها في منطقتنا كونها تتطلب لقاحا حضاريا وتفاعلا بين التيارات والأحزاب والمذاهب والمفكرين بشتى انتماءاتهم، وبما أن السياسة منعت هذا اللقاح من الظهور بدعوى الحرب والخيانة وتفسير كل رأي على محمل سياسي منافس كان الحكام مسئولين بشكل مباشر عن هذا التنوير المفترض، فالتواصل والانفتاح لا يمكن أن يتم في ظل حكومة منغلقة أو تحارب الرأي الآخر السلمي الذي يطرح رأيه في موضوعات بالخصوص تهتم بالاستنارة ونشر المعلومات الموثقة من مصادرها ، وثقتي أن المستقبل يحمل من البشائر الجيدة في هذا السياق بعد مقدمات نراها بأعيننا تقول بوضوح أن منهجية المتشددين دينيا أصبحت قبيحة إعلاميا ولن يسمح لهم بالصعود السياسي خصوصا هذه الفترة..


يتم التشغيل بواسطة Blogger.

مقدمة في دواعش الفن المصري (5)

 منذ أيام انشغل الوسط الفني والثقافي والشعبي المصري بتصريحات الفنان "يوسف الشريف" التي يقول فيها برفضه القاطع ملامسة أي فنانة أو أ...

موقع الباحث سامح عسكر الرسمي